الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

من أفطر في رمضان متعمداً

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
نصّ السؤال ابن عم لنا كلما يهل علينا شهر رمضان المبارك من كل عام يبدأ الصيام، ثم بعد يوم أو يومين نجده قد أفطر دون عذر أو سبب لا مرض أو سفر ولا غيره، وإذا سألناه لماذا أفطر؟ قال: تعبت من الصيام، فما حكمه؟.

أولاً: إنّ على من أفطر يوماً من رمضان عامداً مختاراً من غير سبب مبيح له أن يفطر به؛:

1ـ الإثم، ما دام الصيام واجباً، ويكون بذلك عاصياً فاسقاً..

2ـ أنّ صيامه قد فسد وبطل بفطره المتعمد.

3ـ أنّه لا يجوز له الأكل والشرب وتناول المفطرات بقية يومه، بل يجب عليه الإمساك عن كل مفطر، ولو قد أفطر وأفسد صومه، فيحرم عليه كل ما يحرم على الصائم، لأنه عاصٍ بفطره متعمداً، فإنْ أكل أو شرب واستمر في فطره ولم يمسك؛ زاد إثماً وفسقاً.

هذا ما عليه جماهير الفقهاء إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء بأنّ له أن يفطر(1).

ثانياً: اتفق العلماء على أنّ من أفطر بالجماع متعمداً غير ناسٍ ولا جاهل؛ أنّ عليه القضاء والكفارة، لورود النصّ الصحيح عن رسول الله ﷺ فيه: ففي البخاري عن أمنا عائشة ، قالت: ” إن رجلاَ أتى النّبي ﷺ فقال: “إنه احترق” قال: مالك؟ قال: ” أصبت أهلي في رمضان” فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: (أين المحترق؟) قال أنا قال: (تصدق بهذا).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(2). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(3).

وقد نقل الإجماع على وجوب الكفارة بالفطر بالجماع عمداً ابن هبيرة في الإفصاح(4).

ثالثاً: أما من أَفْطَر يوماً من رمضان بغير الجماع متعمداً فقد اختلف فقهاؤنا الكرام في حكمه اختلافاً كبيراً ، فمنهم من يرى أنه ليس عليه قضاء ولا كفارة وأن أمره إلى الله إن شاء عذبهوإن شاء غفر له، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء مكان اليوم الذي أفطره ولا كفارة تلزمه، ومنهم من يرى أنّ عليه الكفارة مثل كفارة الظهار، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء والكفارة بصيام شهرين متتابعين مكان كل يوم أفطره متعمداً، ومنهم من يرى أن عليه صيام شهر عن كل يوم أفطر فيه متعمداً، ومنهم من يرى أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً عن كل يوم تعمد في فطره، ومنهم من رأى أن عليه صوم ثلاثة آلاف يوم عن كل يوم، وهكذا..

أما القول الأول: فهو الذي عليه الظاهرية(5)، وهو ظاهر ما رُوي عن عليّ وابن مسعود وأبي هريرة : أنّه لا يجزيه قضاء ولا كفارة..

أما عليّ رضي الله عنه فقد روى عَرْفَجَةُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنّه قَالَ: “مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ”(6).

وأما أبو هريرة فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه عنه قال: “ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفَعَهُ: “من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه”.. وجاءه رجل قد أفطر في شهر رمضان فسأله فقال أبو هريرة: ” لا يقبل منه صومُ سنة”(7).

وأما ابن مسعود رضي الله عنه فعند البيهقي والطبراني أنه قال: ” من أفطر يوماً من رمضان من غير علة؛ لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه”. وفي رواية: ” من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يُقبل منه”(8).

وقد وجّه بعض العلماء هذا بأنّه قيل على سبيل الإنذار والتهديد والوعيد الشديد وما وقع هذا المفْطِر فيه من الإثم وفوات الأجر، قال في شرح السنة معلقاً على حديث أبي هريرة : “هذا على طريق الإنذار والإعلام بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوما مكانه”)9).

أما القول الثاني: فهو الذي عليه الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، أنّ حكمه قضاء اليوم الذي أفطره، ولا كفارة عليه، وفرّقوا بين تعمّد الفطر بالجماع وتعمّد الفطر بغيره بالأكل أو الشرب أو سواهما. فقالوا: من أفطر بغير الجماع عامداً فعليه القضاء. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي، قالا: ” يصوم يوماً مكانه ويستغفر الله”(10).

والقول بوجوب القضاء نقل الإجماع عليه في شرح السنة، قال: “فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه”(11). ولكن حصر الحكم على القضاء فقط لم يتفق عليه.

ودليل هذا القول القياس على المستقيء عامداً، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء فعليه القضاء)(12). ووجه الدلالة أنّ من استقاء فقد أفطر عامداً، لكنه لم يكن فطره بالجماع، فلم تجب عليه الكفارة، وهذا يعني أنّ كل مفطر عمداً بغير الجماع لا كفارة عليه.

وأما القول الثالث: أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً مكان كل يوم، وهو المحكي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله، قال: ” من أفطر يوماً من رمضان قضى اثني عشر يوماً، لأنّ الله جل ذكره اختار شهراً من اثني عشر شهراً، فعليه أن يقضي بدلاً من كل يوم اثني عشر يوماً”. فأجاب الشافعي رحمه الله عن حجته فقال: “يلزمه أن يقول: من ترك الصلاة ليلة القدر أن يقضي تلك الصلاة ألف شهر، لأنّ الله عز وجل يقول:آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ” (13((14).

وأما القول الرابع: فهو الذي ذهب إليه سعيد بن المسيب رحمه الله: أنّ من أفطر يوماً متعمداً يصوم شهراً، مستدلاً بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:« مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ صِيَام شَهْرٍ » وقد أخرجه الدارقطني في السنن وضعّفه لضعف مَنْدَل بن عليّ(15).

وأما القول الخامس: فهو الذي ذهب إليه إبراهيم النخعي ووكيع رحمهما الله تعالى، أنّ عليه صيام ثلاثة آلاف يوم(16). ولم أقف لهذا القول على دليل ولم يظهر لنا وجه.

أما القول السادس: فهو الذي ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وسفيان الثوري وابن المبارك واسحاق بن راهويه والحسن وعطاء والزهري والأوزاعي وأبو ثور وهو قول محمد بن جرير الطبري، أنّ عليه القضاء والكفارة(17). وهو الذي كان يفتي به ابن عباس رضي الله عنهما، فقد سأل أيفعُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ قَالَ : “كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: “مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا “(18). غير أنّه خفّف عليه بدل صيام الشهرين جعله شهراً وبدل إطعام الستين جعله لثلاثين.

والراجح من هذه الأقوال فيما ظهر لنا قول من يرى وجوب القضاء والكفارة عليه، وذلك للآتي:

أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ”(19).

وأمره عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، فأوجب على من أفطر الكفارة، والكفارة هي كفارة الظهار، وتكون بتحرير الرقبة، أوصيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً، كما جاءت في آيات المجادلة(20). فالحنفية على الترتيب بين الكفارات الثلاث، والمالكية على التخيير بينها.

ثانياً: خبر مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا(21).

وهذا نصٌّ في الفطر بالأكل، ووجوب الكفارة إنْ صح الخبر.

ثالثاً: القياس على خبر الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(22). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(23).

والعلة الجامعة فيه انتهاك حرمة نهار رمضان بفطر من غير عذر أو سبب مبيح للفطر؛ أنه تجب عليه الكفارة، دون نظر لما انتهك به حرمة الشهر.

والفطر قد يقع بالأكل أو بالشرب أو بالجماع أو بغير ذلك؛ والجامع بينها أنه بأيِّها يفطر؛ يفطر عامداً قاصداً مختاراً، فالمعنى أنه أفطر متعمداً منتهكاً لحرمة رمضان، وهو العلة الجامعة بين من أفطر بجماع وبين من أفطر بغيره دون سبب مبيح للفطر.

رابعاً: الأخبار الواردة بإطلاق الفطر دون تقييد له بجماع أو أكل أو شرب، ومنها:

1ـ خبر الزُّهْرِيّ عن حُمَيد ، عَن أبي هُرَيرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : “يا رَسولَ اللهِ! أفطرت يوماً في شهر رمضان”. قال : (أعتق رقبة)(24).

2ـ خبر الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً” الحديث(25).

3ـ خبر عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي احْتَرَقْتُ ، فَسَأَلَهُ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ: أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ عَظِيمٍ يُدْعَى الْعِرْقَ فِيهِ تَمْرٌ ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا) (26).

4ـ حديث عائشة قالت : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله قد احترقت فسأله ماله ؟ قال : أفطرت في رمضان ثم إنه جلس فأتى بمكتل عظيم يدعى العرق فيه تمر فقال : أين المحترق؟ فقام الرجل فقال : (تصدق به) (27).

5ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : إني أفطرت يوما من رمضان. قال : من غير عذر ولا سفر ؟ قال : نعم قال : بئس ما صنعت ! قال : أجل فما تأمرني؟ قال : أعتق رقبة. الحديث(28).

6ـ حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا)(29).

ووجه الدلالة من هذه الأخبار:

أ ـ أننا نجد فيها كلها السائلَ يخبر النبي ﷺ أنه أفطر يوماً من رمضان متعمداً، ولم يفصّل بم أفطر، وقضى رسول الله ﷺ عليه بالكفارة. فكان الجامع بين هذه الروايات أنّ من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا سفر أنّ عليه الكفارة.

ب ـ أنّ العلة من إيجاب الكفارة هي انتهاك حرمة رمضان بتعمد الفطر، ويظهر ذلك من قول السائل: ” أفطرت يوماً في رمضان” ومن خبر أبي هريرة: ” أنّ رجلاً أفطر في رمضان فأمر رسول الله ﷺ أن يكفّر” ومن سؤال النبي ﷺ للسائل في خبر ابن عمر: ( من غير عذر ولا سفر؟)، فكان مناط الحكم: (أَعْتِقْ رَقَبَةً).

ج ـ أنّ حديث الموطأ بلفظ: ” أنّ رجلاً أفطر من رمضان” وإنْ كان مجملاً، والمجمل ليس له عموم ـ كما أجاب مانعي الكفارة ـ إلاّ أنه مما لم يستفصل فيه النبي ﷺ عن سبب الفطر أو بماذا أفطر، ولو كان سبب الفطر أو ما أفطر به مؤثراً في الحكم لاستفصله رسول الله ﷺ، ولهذا نُزِّل منزلة العموم، فشملته وَحَكَمَتْهُ القاعدة الأصولية: ” ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم من المقال”.

وكما يقول الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب الفقيه والمتفقه، وهو من أئمة الشافعية: “اللفظ الوارد على سبب، لا يجوز إخراج السبب منه، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذلك لا يجوز، وهل يدخل فيه غيره أم لا؟ ينظر فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما فيه من السبب، ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاماً، مثل: إن قال: أفطرت، وذلك في رمضان، فأجابه بأن قال: أعتق، حمل الجواب على العموم في كل مفطر بأي سبب كان الفطر، كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وذلك أنه لما لم يستفصل؛ دل على أنه لا يختلف الحكم، ولما نقل السبب وهو الفطر، فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك، لأن السبب في الحكم تعليل وإن كان لفظ السائل خاصاً” (30).

خامساً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)(31). والمفهوم: أنّ من أفطر غير ناسٍ عامداً قاصداً؛ عليه القضاء والكفارة، فلو كان الذي يفطر عامداً غير ناسٍ ليس عليه إلاّ القضاء؛ لاكتفى الشارع بنفي القضاء عليه، ولكن لمّا نفَى مع القضاء الكفارة عليه؛ فُهم أنّ من أفطر عامداً عليه الكفارة مع القضاء، وهي دلالة واضحة على حكم من أفطر متعمداً في رمضان.

سادساً: وفوق ما ذُكر، فإن الأنسب لمتعمّد الفطر في نهار رمضان انتهاكاً لحرمته أنّ توجب عليه مع القضاء كفارة لسببين:

السبب الأول: أنّه بدونها يستوي المتعمّد المنتهك حرمة الشهر مع الناسي والمخطئ والجاهل في الحكم، وهذا ظاهر في الشرع والعقل.

والسبب الثاني: أنّ الكفارات إنما شُرعت للزجر والستر والتكفير، فإنّ الكفارة مأخوذة من التكفير وهو التستير، لأنها تستر الذنب وتغطيه، كما يقول الشوكاني في تفسيره، وهي الفعلة التي من شأنها أنْ تكفّر الخطيئة وتسترها، كما قال أبو السعود والنسفي في تفسيرهما(32).

فإنْ شُرعت الكفارات للزجر، فالذي أفطر بالأكل والشرب عمداً مستحق للزجر، والذي أفطر بالجماع عمداً مستحق للزجر، إذ كلاهما عاصٍ بفطره منتهك لحرمة الشهر، وليس المفطر بالجماع وحده هو العاصي.

وإنْ شُرعتْ الكفارات للتكفير والستر، فإنّ الذي أفطر بالأكل أو الشرب محتاجٌ لتكفير ذنبه ومعصيته كما أن المفطر بالجماع محتاجٌ كذلك لتكفير ذنبه ومعصيته.

وقياس من نفى الكفارة على المستقيء من حديث: ( من ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)(33). لا يكفي ولا يفي لنفي الكفارة عمن أفطر متعمداً بثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أنّ كثيراً من العلماء فرّقوا بين من استقاء هكذا ومن استقاء عامداً فأوجبوا الكفارة على من استقاء عامداً دون الآخر، كالإمام أبي بكر الأبهري وابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب أبو الفرج المالكي وغيرهم، وبعض الأئمة أوجبوا على المستقيء القضاء والكفارة كعطاء والأوزاعي وأبي ثور، وهذا موافق لمذهب من أوجب الكفارة، فلا يفي هذا القياس بمطلوبهم(34).

الوجه الثاني: أنّ المستقيء في معنى المكره، والقيء والاستقياء غالباً لا يكون إلا لمرض أو شبهه، فيلحق المستقيء بالمريض لا المتعمد، فغالباً ما يكون سببه المرض خفّ أو ثقل، فإما أن يقيء وإما أنْ يعجز عن القيء فيشق عليه الحال مشقة زائدة تضطره إلى الاستقاء، وهذا هو المعروف المشاهد الواقع، فالمناسب له القضاء كالمفطر مكرهاً، وكالمفطر لمرض. وقد وجدت لابن الماجشون اعتبار ذلك بعد أن قررته قال: ” من استقاء من غير مرضٍ متعمداً فعليه القضاء والكفارة”(35).

الوجه الثالث: أنّه قياس مع الفارق، والفارق أنّهما متعاكسان، فالقيءإخراج للطعام أو الشراب، والأكل والشرب إدخال لهما، وقد نبّه إلى هذا المعنى أبو هريرة رضي الله عنه حين قال: ” إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يولج” كما في صحيح البخاري(36).

وهكذا نجد أنّ على من أفطر متعمداً دون عذر أو رخصة أو سبب مبيحٍ القضاء والكفارة . والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: المحلى لابن حزم ج4 ص 384.
  2. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  3. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  4. الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، ج1 ص 204.
  5. راجع: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 309وما بعدها.
  6. مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 106 برقم 9878.
  7. النسائي في السنن الكبرى، برقم 3271.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7856. والطبراني في الكبير برقم 9459.
  9. شرح السنة للبغوي، ج6 ص 290.
  10. معرفة الآثار والسنن للبيهقي، ج6 ص ص268، برقم 2613. ويراجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 133، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 339، المحلى لابن حزم ج4 ص 384.وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 190 وما بعدها.
  11. شرح السنة للبغوي ج6 ص 290. ونقل الإجماع هذا يناقض القول الأول. والعلم عند الله.
  12. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  13. سورة القدر الآية 3 .
  14. راجع: معرفة السنن والآثار للبيهقي ج6 ص 269 برقم 2614.
  15. سنن الدارقطني برقم 2335، ج6 ص 89.
  16. انظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 131.
  17. انظر: بداية المجتهد، ج2 ص 179-180، القوانين الفقهية، لابن جزي ص 83، مواهب الجليل ج2 ص 387، البناية شرح الهداية ج4 ص 53، العناية شرح الهداية ج3ص 293، المجموع شرح المهذب ج6 ص 330، فقه الأوزاعي ج1 ص 389،الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 100، سنن الترمذي ج3 ص 102.
  18. السنن الكبرى للنسائي حديث رقم 9069، ج8 ص 234.وبرقم 9118.
  19. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2306، ج3 ص 167.
  20. الآيات: 3 و4 .
  21. أخرجه الدارقطني برقم 2308.
  22. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  23. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  24. مسند البزار برقم 8074.
  25. موطأ الإمام مالك حديث رقم 620
  26. السنن الكبرى للنسائي برقم 3099.
  27. مسند أبي يعلى حديث رقم 4663. وقال المحقق حسين سليم أسد: إسناده صحيح.
  28. مسند أبي يعلى حديث رقم 5725. قال حسين أسد: رجاله ثقات.
  29. سنن الدارقطني حديث رقم 2396، والطبراني في المعجم الكبير برقم752.
  30. كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج1 ص 113.
  31. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7863، والدارقطني في السنن برقم 2266، وابن حبان في صحيحه برقم 3521، وصححه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام أنظره بشرح سبل السلام، ج2 ص 660، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6070وشعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان ج8 ص 287.
  32. فتح القدير للشوكاني ج2 ص 351، تفسير أبي السعود ج2 ص 284، تفسير النسفي ج1 ص 304.
  33. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  34. راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي ج4ص225، وحاشية العدويي، ج1 ص 447، وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 206. وقد أتى الحافظ بخلاف ما نقله ابن العربي في المسالك عن الأبهري في إيجاب الكفارة عن المستقيء عمداً ، ففي المسالك:”قال أبوبكر الأبهري: إن استقاء عامداً فعليه الكفارة” وفي الفتح قال الحافظ:” واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمداًبأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم”. وابن العربي أعرف بأقوال أئمة المذهب. والله أعلم.
  35. انظر: حاشية العدوي، ج1 ص 447.
  36. صحيح البخاري ج4 ص 205، بشرح فتح الباري.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

الصيام مع غسيل الكلى

أصبت بفشل كلوي قبل عدة شهور، فقرر لي الأطباء أن أغسل الكلية ثلاث مرات في الأسبوع، كل يوم أحد وثلاثاء وخميس، ولما دخل علي شهر رمضان كان لا بدّ أن أستمر في الغسيل ، لأني لا أستطيع إيقاف الغسيل من أجل أن أصوم شهر رمضان، بل صار من الضروري الذي لا بدّ منه أن أخضع للغسيل ثلاثة أيام في الأسبوع،…

اقرأ الجواب