المسافر بالنسبة إلى الفطر على أحوال عديدة :
الأول : من عزم على السفر وتيقّن أنه سيسافر ، وراحلته ـ أو سيارته ـ ببابه يملك تحريكها، وقد استعدّ للخروج ، ولبس ثياب السفر؛ لمثل هذا المسافر يجوز الفطر من بيته ، لأنّه متيقّنٌ من السفر ، وقد رُوي هذا عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال محمد بن كعب : ” أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه في رمضان ، وهو يريد سفراً ، وقد رُحِلت له راحلته ، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنّة ، ثم ركب ” (1).
قال ابن العربي المالكي :”أما حديث أنس فصحيح،يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر،وهذا هو الحقّ “(2).وهو مذهب الحسن البصري والذي أقرّه الشوكاني (3).
الثاني : مَنْ عزم على السفر بطائرة على خطوط جويةلم يجرّب عليها تخلّفٌ ولا تأخّر ، فخرج من بيته ، جاز له الفطر في صالة المغادرة بعد أن يكمل إجراءات السفر المعروفة ، وتأكد له أن الطائرة ستقلع قبل الغروب، وكذلك من دخل صالة المغادرة للسفر بالقطار وقد تيقّن أنه مسافرٌ في خلال ساعات قبل غروب الشمس ، ومن باب أولى من ركب الطائرة أو القطار أو السفينة قبل التحرك والإقلاع .
وقد رُوي عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه صاحب رسول الله ﷺ أنه أراد السفر في رمضان فركب السفينة من الفسطاط ” مصر القديمة ” فدفع ثم قرب غداءه، وكان معه جعفر بن جبر ، فقال له: اقترب. فقال له جعفر:ألست ترى البيوت؟قال أبو بصرة:”أترغب عن سنّة رسول الله ﷺ”(4).
الثالث : من عزم على السفر ، ولكنه لا يملك راحلة خاصة ـ أو سيارة ـ أو لم يؤكّد الحجز ، أو حجز على خطوط جُرّبت أنها تتأخّر أحياناً وتتخلّف أحياناً ، في هذه الحالة لا يجوز الفطر إلاّ إذا خرج عن البيوت وتجاوز البلدة أو المدينة .
وهذا الذي عليه جمهور أهل الفقه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النّبي ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد(5)، ثم أفطر فأفطر الناس” (6). والله تعالى أعلم ..
- أخرجه الترمذي في كتاب الصوم باب من اكل ثم خرج يريد سفراً ، برقم 799 ، 800 ، وقال : هذا حديث حسن .
- عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ، لابن العربي .
- نيل الأوطار ، 4/229 ، الاستذكار 10/88 .
- أخرجه أبو داود كتاب الصوم ، باب متى يفطر المسافر برقم 2412 .
- الكديد عين جارية بين المدينة وعسفان .
- أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الصيام 1/294 ، والبخاري كتاب الصوم برقم 1944.