فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
رجلٌ يسكن الطابق العشرين في عمارة عالية ، يسمع المؤذن يؤذن للمغرب ، ولكنه يرى الشمس لا تزال طالعة ، هل يفطر بالأذان أم ينتظر المغيب ؟
جواب فضيلة الشيخ
الصيام الواجب لا يتحقق ولا يصحّ شرعاً إلا إذا بدأ الإمساك من طلوع الفجر واستمر إلى غروب الشمس ، وهو صريح قوله تعالى (1)، وساكن الطابق العشرين إذا أفطر بأذان المؤذن وهو يرى الشمس لا يكون أتم صيامه إلى الليل، والإفطار يكون بتيقن الوقت لا بسماع الأذان، والأذان ما جعل إلا تنبيهاً للوقت، ولكنه متيقن من النهار فلا يجوز له الإفطار بالأذان إلا إذا تيقن من غروب الشمس .
وغروب الشمس في مثل هذه الحالة لا يتأخر طويلاً عن وقت أذان ساكني الطوابق الأرضية، فليس في الانتظار حتى الغروب مشقة زائدة، وليست من المشقات المعتبرة تأخر انقضاء التكليف عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يقتضي الترخيص .
هذا وقد سئل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن هذه المسألة فأجاب: “من كان في العمارة العالية ، وهو يرى الشمس ، لا يجوز له أن يفطر حتى يراها تغيب” أ.هـ (2).
والله تعالى أعلم ..
الصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرض
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
أنا شخص فقير ، وأعول أسرة كبيرة ، فيهم الأبناء والبنات، ومعي أمي وزوجتي وبعض أخواتي غير المتزوجات ، فهل عليّ فطرة هؤلاء جميعاً؟ وإنْ كنت لا أملك ما يكفي لإخراج زكاة الفطر لأكثر من شخصين أو ثلاثة فهل عليّ زكاة ؟ فإن كانت عليّ فحقّ منْ أقدّم حق الأم أم حق الزوجة أم حق الأبناء أم حق البنات أم حق الأخوات؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
جواب فضيلة الشيخ
هذا النوع من الزكاة تسمى بزكاة الأبدان ، فالمعتبر فيها البدن لا المال ، فبحسب الأشخاص يكون إخراجها ، ولذلك تجب على المكلف المطالب بزكاة الفطر أن يخرج الفطرة عن نفسه وعمن تلزمه نفقته (1).
وأسباب تحمل النفقة ثلاثة : الزوجية والرق والقرابة ، أو قل: الملك والنكاح والقرابة ، وعليه : تجب عليه زكاة الأبوين ، والزوجات(2)، والأولاد الصغار من البنين والبنات الذين يعولهم. وأخواته غير المتزوجات إنْ لم يكن لهن عائل غيره .
فإن فضل من قوته وقوت أهله وعياله يوم العيد وليلته أخرج زكاة الفطر بالترتيب الآتي :
[1] فطرة نفسه أولاً ..
[2] ثم أخرج عن زوجته أو زوجاته..
[3] ثم أخرج عن ولده الصغير ..
[4] ثم عن أبيه أو أمه ..
[5] ثم عن ولده الكبير ، مع تردد في أقوالهم بين تقديم الولد أو تقديم الوالد، لقوله تعالى (3).
[6] ثم بقية قرابة النسب..
فإن لم يفضل عنده إلاّ فطرة واحد؛ أخرج عن نفسه ، فإنْ فضل فعن زوجته ، وهكذا حسب الترتيب المذكور لحديث : (ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك..)(4).
والله تعالى أعلم..
الحواشي
وذهب الحنفية إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من يملك نصاباً فاضلاً عن مسكنه وأثاثه وثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك من حاجته الأساسية ، راجع : الإفصاح عن معاني الصحاح ، ج1 ص 180 ، البحر الرائق ، ج2 ص 274 ، الفتاوى الهندية ج1 ص 191 .الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 158 – 159.
الأحناف لا يوجبون زكاة الفطر عن الزوجات ولا الأبوين إلا إذا كان الأب مجنوناً فقيراً فتجب عليه صدقة فطره . راجع : المصادر السابقة .
سورة النساء :11 .
أخرجه مسلم باب الابتداء في النفقة بالنفس ، برقم 2310 ، ج7 ص 84 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض
نحن نعرف أن المرض يرخِّص للصائم في رمضان أن يفطر بسببه ، ولكن لم نعرف : هل كل مرض يجوز أن نفطر به ؟ أم المرض المفطر مرض معيّن؟.
جواب فضيلة الشيخ
أجمع المسلمون على أن المرض سبب لرخصة الفطر في رمضان لقوله تعالى (1).
إلاّ أن المرض لم يكن في الحقيقة الواقعة للمرضى على درجة واحدة، فهناك مرض خفيف في ظاهره شديد على المريض في حقيقته ، ومرض تقلّ أيامه وتزيد آلامه ، ومرضٌ يثبت على كل حال ، ومرضٌ يزداد ويشتد مع التعب والإرهاق،، وهكذا ..
وبهذا النظر ! فالمرض بالنسبة للصيام والفطر على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: المرض الذي لا يُطاق معه الصوم ، فهذا المرض يوجب الفطر، ولا يجوز لمن وصل به المرض إلى هذه الدرجة أن يصوم . وقد أشار أهل الفقه إلى هذه الرتبة كالإمام القرطبي من المالكية، والجرجاني والغزالي من الشافعية (2).
المرتبة الثانية: المرض الذي يقدر معه على الصوم ولكن بضرر ومشقة، فهذا ـ كما يقول القرطبي رحمه الله : ” يُستحبُّ له الفطر ، ولا يصوم إلاّ جاهل “(3). وهو ما صرّح به الحنابلة من الأحوال التي يُكره فيه الصوم ويستحب الفطر من الأمراض (4).
المرتبة الثالثة : المرض الذي يقدر معه على الصوم ومشقته مشقة المرض العادية ـ أي أدنى مشقة تلحق المريض ـ ، وهذا يكون في كل مرض يسير في نفسه أو يسير في زمنه ومدته، أو يسير في علاجه ، ونحو ذلك . هذا النوع لا يجب الفطر فيه ولا يستحب الفطر، وإنما يجوز معه الفطر ، وهذا أدنى درجات المرض الذي يبيح للصائم الفطر في رمضان، وهو ما أخذ به ابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح ، والإمام البخاري، وشيخه إسحاق بن راهويه، وهو ما رجحه القرطبي، رحمهم الله تعالى.
ـ دخل طريف بن تمام العطاردي على محمد بن سيرين في رمضان، فوجده يأكل ، فلما فرغ قال ابن سيرين : ” إنه وجعتْ إصبعي هذه “..
ـ وقال البخاري : ” اعتللت بنيسابور علة خفيفة ، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه ، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله ؟ فقلت : نعم . فقال : ” خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة”(5). وهذا من مواقف العلماء القوية فيما يرونه حقاً وصواباً ،وكثيراً ما نشاهد ونرى ونسمع من يتساهل في قبول الرخصة ويتحاشى منها ويتشدد على العزائم ، مع أن السنة عند صاحب السنة أنه ما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ، ينبّه إلى استواء حب الله للرخصة والعزيمة فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)(6).
المرتبة الرابعة : المرض الذي يكون الصوم أنفع له من الفطر ، بل الأكل والشرب يضره ويشتد عليه المرض بسببه ، فهذا يكره معه الفطر، وقد نبّه إليه الكاساني رحمه الله (7).
والخلاصة : أن كل ما يحصل للصائم من حال يستحق بها اسم المرض جاز به الفطر ، فإن زادت مشقته عن المشقة العادية استحب الفطر وكره الصوم ، فإذا ازداد إلى درجة الضرورة وجب به الفطر وحرم الصوم
هذا : وقد ألحق كثير من العلماء في كل المذاهب بالمرض المبيح للفطر أموراً نذكرها لزيادة الفائدة ، هي:
[1] المرض الذي يُخشى الزيادة فيه بالصوم أو إبطاء البرء منه .
[2] المرض الذي يُخشى فساد عضو بالصوم أو وجع العين أو الصداع أو الجراحة .
[3] المريض الذي لا يجد مشقة زائدة على الصوم ولكن يأخذ علاجاً في النهار ويخشى لو ترك العلاج أن يبطأ البرء أو يزداد المرض .
[4] الصحيح الذي خاف المرض بالتجربة أو بإخبار طبيب مسلم حاذق، أو بغلبة الظن ـ لا مجرد الوهم ـ .
[5] الصحيح الذي يمرّض المريض ويرعاه إذا خشي ضياع المريض بسبب صومه ، أو خاف هلاكه لضعفه عن القيام برعايته إذا صام (8).
والله تعالى أعلم..
الحواشي
سورة البقرة الآية 185 .
انظر : تفسير القرطبي ، 2/258 ، كفاية الأخيار ، تقي الدين الحصني الشافعي ، 1/408 . ولكن الشافعي والحسن البصري وإبراهيم النخعي جعلوا هذا النوع هو حدّ المرض الذي يبيح الفطر ، يراجع ذلك في تفسير القرطبي الموضع السابق .
تفسير القرطبي نفسه . وهو النوع الذي جعله الجمهور حداً للمرض الذي يبيح الفطر للصائم، يراجع: تفسير القرطبي نفسه ..
انظر : معونة أولي النُهَى شرح المنتهى ، لابن النجار الفتوحي الحنبلي ، 3/392 .
كلاهما في : تفسير القرطبي ، نفسه .
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3/140 ، وابن حبان في صحيحه باب ذكر الأخبار عما يستحب للمرء ، 2/69 ، وأحمد في المسند 2/108 برقم 5885 بلفظ ( كما يكره أن تؤتى معصيته ) .
بدائع الصنائع ، 2/94 .
يراجع: حاشية ابن عابدين ، 2/116 ، معونة أولي النهى ، 2/392 ، تفسير القرطبي نفسه.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
بحمد الله تعالى صمت رمضان هذا العام بأفضل حال ، وأحب أنْ استكمل الأمر بأفضل حال ، ولهذا ؛ فأنا حريص جداً أن أخرج زكاة الفطر، ولكن ليس عندي ما يمكنني من إخراج زكاة الفطر عن نفسي وعن أهلي وأولادي . فهل أستدين قيمة الزكاة لأخرجها ؟.
جواب فضيلة الشيخ
لا تجب زكاة الفطر على الصائم إلاّ بشرط أن يفضل عنده قوته وقت من يعول ليلة العيد ويومه ، فإنْ فضل شيء بعد ذلك وجب عليه إخراج زكاة الفطر وإلاّ فلا تجب عليه . وقال ابن المنذر : ” وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه “(1).
أما أن يستدين لدفع زكاة الفطر ؛ فهذا لا يجب عليه ، ولكن يستحب له في حالة ولا يستحب له في الأخرى .
أما الحالة التي يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يغلب على ظنه أنه سيقدر على قضاء ما يستدينه إما من راتبه الشهري على أقساط يرضى بها من يقرضه ، أو لمال مستفاد عنده قريباً أو في أجل معروف، ونحو ذلك ، وإنْ كان متيقناً بقضاء دينه فذلك أولى، ولعله يدخل في الذين قال الله فيهم (2).
وإنْ كان الدين المؤجل لا يسقط الوجوب ـ كما رأينا من قبل ـ فهذه الحالة من الدين المؤجل ، لأن الدين المؤجل يمكن أن يكون ديناً سابقاً ويمكن أن يكون ديناً مستأنفاً نشأ لأجل الفطرة.
وأما الحالة التي لا يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يظن أو يتيقن عدم قدرته على قضاء ما يستدينه ، ففي هذه الحالة لا يستدين من أجل إخراج زكاة الفطر . والله تعالى أعلم .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض
أصيب أخي الأكبر في حادث حركة رابع يوم من رمضان، فأخبر الأطباء أنه فقد كمية كبيرة من دمه وأنه يحتاج إلى نقل دم، وكانت فصيلة دمي نفس فصيلة دمه والحمد لله لا أشكو من مرض يخشى منه لنقل الدم، ولكنّي ترددت في التبرع بالدم في نهار رمضان خوفاً من فساد صومي بسبب ذلك، وكانت حالته خطيرة بحيث لا يمكن انتظار الليل، وشفقة على أخي من الموت قمت بالتبرع بالدم، فما حكم صومي مع تبرعي بدمي في نهار رمضان؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: أنت الآن بتبرعك بالدم لهذا المحتاج؛ تكون كأنك أحييت نفساً مؤمنة، وهي نفس أخيك، وقد مدح رب الأنفس جل وعلا من يفعل ذلك فقال: (1).
وبشّره رسول الله بعاقبة الحسنى ففي صحيح مسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(2). وفي صحيح الترمذي: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(3). وروى أبو نعيم الأصبهاني بسنده مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: « من سقَى مؤمناً شربة من الماء والماء موجود؛ فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقاها في غير موضعها فكأنما أحَيَا نفساً، ومن أحيا نفساً فكأنما أحَيَا الناس جميعاً »(4).
فهنيئاً لمن أعان أخاً له بمثل هذا فأنقذه.
ثانياً: إنّ التبرع بالدم وسحبه من الصائم لنفع أخ ومسلم محتاج إليه، لا يفسد الصوم عند جماهير علماء العصر.
وقد ذهب بعضهم إلى إفساد الصوم بالتبرع بالدم، قياساً على الحجامة، ومنهم: الشيخ ابن جبرين وقد قال: ” إذا تبرع بالدم فأُخذ منه الكثير فإنه يبطل صومه قياساً على الحجامة”.
ويفهم ذلك من كلام الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاويه: ” أما التبرع بالدم فالأحوط تأجيله إلى ما بعد الإفطار، لأنه في الغالب يكون كثيراً، فأشبه الحجامة”(5).
والراجح الذي قررناه: أنّ الحجامة لا تفسد الصوم، وأنّ النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وأن كثيراً من أصحابه كانوا يحتجمون وهم صائمون، كسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وأنس بن مالك رضوان الله تعالى عليهم(6).
وعليه: فلا يفسد الصوم بالتبرع بالدم اللهم إلاّ إذا أُخذ منه دمٌ كثيرٌ أضعفه ضعفاً يلحقه بالمريض فيفطر لذلك لا لمجرد سحب الدم منه أو تبرعه به، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى ذلك: “”إِنَّمَا الصِّيَامُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ”(7).
والله تعالى أعلم..
الحواشي
سورة المائدة، 32.
أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2699، بتحقيق عبد الباقي.
الترمذي في سننه برقم 2945 ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ج5 ص 195.
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهانن ج3 ص 88، برقم 701.
راجع القولين في : فتاوى الصيام من موقع الإسلام سؤال وجواب، ص 220، ومجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 253.
راجع: فصل: اقضية المرض نفسه سؤال رقم [2] من هذا الكتاب فقد حررنا مسألة الاحتجام للصائم، والله الموفق.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
نحن مهاجرون في بعض البلاد العربية وحين يقبل العيد بخيره يخرج الجميع عندنا زكاة فطرهم ، ولا نجد من نعرفهم من الفقراء والمساكين حتى نعطيهم ، وغالباً ما يتوجه الجميع بزكاتهم إلى فقير أو فقيرين معروفين، ويبقى بقية الفقراء في حاجتهم وفقرهم ، وعندنا في الجالية بعض اللجان الخدمية التي ترعى شؤوننا في المهجر ، فهل يجوز لنا أن نجمع زكاة الفطر وندفعها للجان حتى تتولى توزيعها بمعرفتها للمحتاجين بيننا ؟ أم نجمعها ونرسلها لديوان الزكاة ؟ أم يقوم بتوزيعها كل واحد عن نفسه بمعرفته فنصيب أحياناً ونخطئ أحياناً ؟.
جواب فضيلة الشيخ
جرى عمل المسلمين في التاريخ المعروف على أن يتولى صاحب زكاة الفطر توزيعها بنفسه، ولا يطالب بتقديمها لولي الأمر ( مسؤول الزكاة )، وهذا الحال مستمر إلى يومنا هذا. ولكن عند التحقيق نجد أنّ الذي عمل المسلمين غير موافق لما كان عليه العمل في عهد الرسالة والخلافة الراشدة. فإنّ الذي كان في تلك القرون الخيرة أن يتوجه الناس بفطرة رمضان إلى من تجمع عنده زكاة الفطر في كل عام، فيدفعونها إليه ومن ثَمَّ يقوم ولي الأمر بتوزيعها للفقراء ، وقد كان رسول الله ﷺ يقوم بتوزيعها على الفقراء.
والدليل على ذلك ثلاثة أمور:
[1] أن النبي ﷺ كان يكلّف من يقوم بحفظ زكاة الفطر ، والصحابة يعرفونه فيدفعون إليه بزكاة فطرهم ، وهذا دليل على أن زكاة الفطر تجمع من الناس في مكان جامع ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال : إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة . قال : فخليت عنه . فأصبحت، فقال النبي ﷺ : ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قال : قلت: يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً ، فرحمته فخليت سبيله . قال: ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود ) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود ، فرصدته ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ، لا أعود ، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت ، فقال لي رسول الله ﷺ: ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك ؟ ) قلت : يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله . قال : ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود) فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود . قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : ما هنّ ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (1)حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح”. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله . قال : ( ما هي ؟ ) قلت : قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال:(ذاك شيطان)(2).
فثبت أن أمر زكاة الفطر كان أمراً جماعياً ولم يكن أمراً خاصاً يقوم بأدائها وتوزيعها كل واحد بطريقته .
[2] وممّا يؤكّد أن زكاة الفطر كانت تجمع ويتولّى جمعها من يكلّف بها، أنّ ذلك كان هو الحال الذي استقر عليه أمر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى نافع عن ابن عمر : “أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ” (3).
وهذا يعني: أنهم ما كانوا يقومون بتوزيعها وتقسيمها بأنفسهم ، وإنما كان يقوم بتقسيمها من يتولّى أمرها فيهم .
[3] كانت السنة الماضية على عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام هي أن زكاة الفطر يقوم بجمعها وتقسيمها الإمام والوالي ، وما يؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أخرجه ابن مردويه : ” أن رسول الله ﷺ كان يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلّى يوم الفطر”(4).
إذنْ: الأوْلَى والموافق لما كان عليه أمر المسلمين في عصر النبوة أن يقوم بتقسيم زكاة الفطر ولي الأمر بأية درجة كان ، لا أن يقسمها كل مخرج للزكاة بنفسه .
فقط كان الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال أنه ما كان يُبعث لزكاة الفطر السعاة ، وإنما كان الناس يبعثون بزكاة الفطر إلى من تجمع عنده بأنفسهم.
ولهذا فيصحّ أن تدفع زكاة الفطر للجان الخدمية لمعرفتها بفقراء البلدة أو الحي أو الجهة ، فيقومون بتقسيمها عليهم ، مراعين أحوال الفقراء فيهم ، ودرجة حاجتهم وفقرهم ، وما يلزمهم من الديون والحقوق للغير ونحو ذلك، فيُحقق العدل في التقسيم بدل أن تتكدس أموال زكاة الفطر في يد فقير واحد بينما يدوم معاناة أمثاله الآخرين.
والله تعالى أعلم .
الحواشي
البقرة 255.
البخاري كتاب الوكالة باب إذا وكل رجلاً فترك شيئاً فأجازه الموكل فهو جائز ، برقم 2311 ، ج4 ص 568 ـ 569 ، بفتح الباري ، وفي كتاب فضائل القرآن ، باب فضل سورة البقرة مختصراً ، برقم 5010 ، ج8 ص 672 بفتح الباري .
أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب الزكاة باب وقت إرسال زكاة الفطر ، ج1 ص 285 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر
ما هو السفر الذي يباح للمسافر أن يفطر فيه ؟
جواب فضيلة الشيخ
أجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة لقوله تعالى (1)
ولكن ليس كل سفر يباح فيه الفطر ويرخّص للصائمين أن يفطروا، هذا السفر اشترط العلماء فيه شرطين هما :
الشرط الأول : أن يكون السفر مما يجوز فيه القصر على رأي الجمهور. وهو السفر الذي يصحّ أنْ يطلق عليه اسم سفر . أما مسافة السفر المجوّز للقصر فليست منضبطة ، فلا تضبط بأيام ولا بأميال ، لأنّ ما روي عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كله لم يضبط مسافة معينة ، حتى المرويّ عن واحد نجده يقصر في مسافات مختلفة .. مثلاً ابن عمر رضي الله عنهما، روي عنه أنه قصر في مسافة ستة وتسعين ميلاً ، وفي مسافة اثنين وسبعين ميلاً ، وروي عنه لا يكون الفطر إلاّ في ثلاثة أيام ، وروي : لا يكون القصر إلاّ في اليوم التام، وروي عنه القصر في ثلاثين ميلاً ، وفي ثمانية عشر ميلاً ، وفي سفر ساعة ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ثلاثة أميال وقريب من هذا روي عن ابن عباس وعن عمر وغيرهما .. (2).
ولهذا فالصحيح أن يكون ضابط السفر المبيح للفطر والقصر ما يصحّ أن يطلق عليه اسم سفر .
الشرط الثاني : أن يكون سفر طاعة لا سفر معصية ، لأنّ سفر المعصية لا يسمح فيه بالرخص ، والقاعدة الفقهية : [ الرخص لا تناط بالمعاصي ] فالشرط في السفر المبيح للفطر أن يكون سفراً مباحاً لا سفراً محرّماً ، وكل سفر اتُخذ سبباً لارتكاب المعاصي ، كمن يسافر ليقطع الطريق ، أو يسافر ليبغي على حاكم مسلم مستحق للطاعة ، أو يسافر ليسرق ، أو يسافر ليزنِي، أو نحو ذلك .
فهذه الأسفار لا تبيح الأخذ برخصة الفطر في السفر ، وهذا ما رجّحه ابن عطية والقرطبي والقرافي من المالكية وهو مذهب الشافعية وغيرهم (3) .
الحواشي
سورة البقرة الآية 185.
انظر : المحلّى لابن حزم ، 4/385 ـ 387 ، سنن البيهقي 3/137 ، والمصنف لابن أبي شيبة 3/20.
انظر : الفروق للقرافي ، 2/33 ـ 34 ، الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 138 ـ 140 ، تفسير القرطبي ، ج2 ص 258 ، المجموع للنووي 6/264 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
بعض الناس يصلي التراويح فحين يشعر بالتعب والمشقة يجلس في أول الركعة فإذا أتم الإمام القراءة أو أوشك أن يتم يقف قائماً فيركع ويسجد معه فإذا قام الإمام بقي جالساً الركعة الثانية ثم يقوم إذا أوشك الإمام من الانتهاء من القراءة فيركع معه ويسجد ويسلم، وهكذا يفعل في كثير من الركعات، هل هذا يصح شرعاً؟.
جواب فضيلة الشيخ
في المسألة ثلاثة أقوال(1):
القول الأول: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، وسواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام.
القول الثاني: منع القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، وهو محكي عن بعض السلف، قال الشيخ صديق حسن خان: وهو غلط.
القول الثالث: كراهة القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، حكاه القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة. ففي الخانية: يُكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم لأن فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالى (2) “.. قالوا: “إذا لم يكن لكسل بل لكبر ونحوه لا يكره”(3).
والراجح قول الجمهور بصحة هذه الصلاة وجواز القيام بعد القعود والقعود بعد القيام، فتصح صلاة التراويح لمن جمع بين القيام والجلوس ، يجلس حيناً إذا شعر بالتعب والإرهاق والمشقة، ثم إذا أتم الإمام القراءة من الركعة قام فركع معه وسجد، والدليل عليه أمران:
الأمر الأول: أن صلاة التراويح من النوافل والتطوعات التي يجوز أداؤها قياماً وقعوداً ولو من غير حاجة أو من غير تعب أو مشقة، فلا حرج في صلاة النافلة جلوساً ولو لم يشقّ عليه القيام، بخلاف صلاة الفريضة، فإنها لا تجوز من قعود إلا لصاحب العذر، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: “كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: ( صَلِّ قَائِماً فإنْ لمْ تستطعْ فقاعداً فإنْ لم تستطع فعلى جنب)(4).
الأمر الثاني: أنّ ذلك من فعله الشريف عليه الصلاة والسلام، فقد صحّ عن رسول الله ﷺأنه كان يفعل ذلك في صلاة الليل كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ أمنا وسيدتنا عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: “كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ”(5).
وكما أخبرت عنه السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ” ما رأيت رسول الله ﷺيقرأ في شيء من صلاته جالساً، حتى إذا كَبِر قرأ جالساً، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع”(6).
ومع ذلك نلاحظ أن بعض المصلين لا يبدأ مع الإمام بل ينتظر قرب ركوعه للدخول معه، لكنه في فترة جلوسه ينشغل بغير الصلاة ولا يحرم للصلاة بل يتكلم مع إخوانه وربما تآنسوا وضحكوا، ثم إذا أوشك الإمام من الركوع أو ركع؛ أسرع بالدخول مع الإمام، وقد يفعل ذلك مراراً ربما في كل ركعتين، فهذا ليس داخلاً في الصورة المسؤول عنها، بل أقلّ أحوال هذا الفعل الكراهة، وصاحبه مسيءٌ لم يراع حرمة المسجد ولا حرمة الصلاة ولا حرمة المصلين وشوش عليهم صلاتهم، وعلى المصلين أن ينكروا على أمثاله وينهوه عن هذا السلوك المشين. والله تعالى أعلم..
الحواشي
انظر: السراج الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، ج3 ص 63.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض
شخص مريض دخل في إغماء واستمر على حال الإغماء سنتين، فلم يصم ولم يصل ؟ ما حكم صلاته وصيامه ؟
جواب فضيلة الشيخ
للعلماء فيه قولان :
القول الأول : لجمهور الشافعية ومن وافقهم ، أنه يجب عليه القضاء سواء استغرق جميع رمضان أو بعضها .
والقول الثاني : لابن سريج والماوردي أن الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون ، كما لا يجب عليه قضاء الصلاة ، وزاد البغوي: أنه حتى لو استغرق يوماً منه لا قضاء عليه . وهو الصحيح لأمرين:
الأمر الأول : أنه لا يعلم خلاف بين العلماء أن الإغماء يزيل العقل، ولا تكليف إلا بعقل فيسقط التكليف .
والأمر الثاني : أنه كالجنون في حقيقته وأحكامه ، والمجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع وإذا ما فاق لا يلزمه قضاء ما فات بالجنون، سواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه . وهو رأي الجمهور(1) . كذلك الإغماء.
وعليه فمن استمر إغماؤه مدة سقط عنه التكليف مدة إغمائه ولا يطالب به بعد إفاقته ، صلاة كان أو صياماً .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
نحن نعمل في إحدى دول الخليج ، وكلما دخل علينا شهر رمضان كان همنا كيف ندفع زكاة فطرنا ولمن ؟ واقترح علينا ذات عام إمام قريتنا في شمال السودان رحمه الله تعالى أن نبعث بزكاتنا أو جزء منها إليهم في السودان ، لأن عدداً كبيراً من أهلنا فقراء لا يجدون من يقدم لهم دعماً مالياً ، ونحن محتارون . أفيدونا مأجورين بارك الله فيكم؟
جواب فضيلة الشيخ
هذا السؤال متعلق بمسألة نقل الزكاة من بلد إلى آخر ، والأصل أن تقسم الزكاة في فقراء بلد المال لخبر معاذ الذي في الصحيح ( تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم )(1) ولكن قد تنقل أحياناً بدليل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة” (2).
وحكم نقلها مرتبط بسبب النقل :
ـ فالنقل من البلد الذي أَخرَجَ فيه المكلف زكاته إلى غير بلد المال من غير سببٍ داعٍ من حاجةٍ أو فقرٍ هناك ؛ فهذا مكروه تنزيهاً عند الحنفية وهو قول الحسن البصري والنخعي ، ولا يجوز عند الشافعي وأحمد وإنْ كان يجزئه إنْ نقلها ، رحمهم الله تعالى .
ـ والنقل من بلد المال إذا استغنى أهله فالإجماع منعقد على جوازه.
ـ والنقل إلى بلد كان أهله في حاجة أو به لصاحب الزكاة قرابة ورحم، وإنْ كان في بلد الزكاة حاجة وفقر :
ـ فهذا جائز عند الحنفية بلا كراهة طالما سينقلها إلى قرابة محتاجين.
ـ وعند المالكية لا يجوز إلا أن يكون المنقول إليهم أعدم أو أحوج، وأما إنْ كانوا أقل حاجة وفقراً فلا يجوز ولكن لو نقلها إليهم أجزأه فيما نقله ابن رشد وابن عبد البر في الكافي.
وعليه : ففي مسألتنا :
1ـ تنتفي الكراهة للحاجة القائمة في الفقراء من أهل السائلين، والمعروف الظاهر أن الفقراء في بلد السائل أحوج من غيرهم في البلاد التي يعملون بها . فيجوز نقل زكاة الفطر إلى غير بلد المال ويجزئ عنهم .
2ـ لا سيما أنّ من نقل زكاة فطره ليقدمها إلى أهله وعشيرته وأقاربه وأرحامه المحتاجين يكون قد جمع بين حسنيين وأقام خيرين وحقق مصلحتين هما: التصدق وصلة الرحم .
3ـ يترجح النقل بل ربما كان الأَوْلَى ولو كان أهل بلد المال أحوج، لأن العبرة بعشيرة وبلد صاحب المال لا بالمال ولا ببلد المال لحديث معاذ رضي الله عنه أنه قضى : ” أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ؛ فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته”(3). ومخلاف العشيرة: الذي فيه أرضه وماله ، فظهر أن حقّ الأقارب في وطنهم كان أولى . وجزى الله خيراً إمام قريتكم فإنه كان فقيهاً حكيماً مهتماً بأمر المسلمين، ورحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الحواشي
سبق تخريجه .
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 12920 ج7 ص 9 . وفي معرفة السنن والآثار، ج5 ص 185 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أصبح اليوم مما لا ينفك عنه قيام رمضان وصلاة التراويح: القنوت فيها، فغالب المساجد تقنت وتدعو في الوتر بعد أن يكملوا تراويح كل ليلة، فما حكم هذا القنوت؟ وما كيفيته ؟ وهل هناك صيغةٌ محددة وأدعية معينة يدعو بها الناس في قنوت التراويح؟ ومتى يبدأ القنوت من أول الشهر أم من وسطه أم فقط في العشر الأواخر؟ أفيدونا نفع الله بكم الأمة وحفظ بكم الملّة.
جواب فضيلة الشيخ
آمين.. ومسألة القنوت في صلاة التراويح يحسن الإجابة فيها من أربعة جوانب:
الجانب الأول: في مشروعيته:
فالقنوت في قيام رمضان مشروع من وجوه كثيرة:
منها: أن القنوت فعلٌ حسن، وذكر لله تعالى ودعاءٌ (1).
ومنها: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها » (2). فإنْ كان في المكتوبة لا حرج ففي النافلة أرفع للحرج.
ومنها: أن فعل القنوت في التراويح وقيام رمضان مما أُثِر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد سمع داود بن الحصين الأعرج رحمهما الله يقول : « ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان » (3).
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني رحمة الله تعالى عليه أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين بالمدينة، مما دلّ أنّ فعلهم كان هو العمل بالمدينة(4).
وقال عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله في خروجه مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ليالي رمضان والناس في قيام رمضان: « فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: (اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ). ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال رحمه الله: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إنّ عذابك لمن عاديت ملحق). ثم يكبر ويهوى ساجداً» (5).
ومشروعية القنوت هو الذي عليه جمهور العلماء، وبه قال الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(6).
غير أن مالكاً رحمه الله قال في المدونة: « ليس عليه العمل، ولا أرى أن يُعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً»(7).
وقد وجّه الحافظ ابن عبد البر قول مالك فقال: وهذا معناه عندي أنه ليس سنةً مسنونةً فيواظب عليها في القنوت، ولكنه مباحٌ فعلُه اقتداءً بالسلف في ذلك لمن شاء. قال: وروى أهل المدينة عنه أنه كان يقول: يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه(8).
الجانب الثاني: في موضعه:
والقنوت في قيام رمضان موضعه الوتر بعد الرفع من الركوع، وكان هذا هو الذي عليه السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة ، كما قال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول في النصف الأخير من رمضان يجهر الإمام بكلامه ودعائه في القنوت وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف(9).
ولذلك؛ ذهب الحنفية إلى أن القنوت في وتر القيام(10).
ومالك كان يرى القنوت في الوتر ، ثم ترك ذلك.
وقال الشافعي فيما روى عنه الزعفراني: يقنت في الوتر في النصف من رمضان(11).
وذهب أحمد إلى أنه قبل الركوع.
قال حنبل: سمعت أحمد يقول: «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (12).
الجانب الثالث: في زمانه:
فهل يقنت المصلون في التراويح من أول الشهر وفي كل الليالي؟ أم في النصف من رمضان؟.
رضي الله عنهم فالذي عليه الجمهور من علماء الأمة أن القنوت في النصف الآخر من رمضان، وهو قول مالك في رواية والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُويَ عن عليّ وأبي بن كعب وابن عمر وابن سيرين والثوري والزهري والحسن وابن جريج وعطاء ويحيى بن وثاب ، وهو الذي حُكي عن حال الصحابة والتابعين في عهد عمر .
واستدلّ الجمهور بما رواه الطبري عن الحسن أنه قال: « أمر عمرُ أُبيَّ بتن كعب يصلي بالناس، فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة ؛ قنتوا فدعوا على الكفرة ».
وقال ابن جريج: « قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان؟ قال: أول من قنت فيه عمر. قلت: في النصف الآخر؟ قال: نعم ».
قال ابن عبد البر: «فبهذا احتجّ من أجاز القنوت في الوتر من قيام رمضان في النصف الآخر منه، لأنه عمن ذكرنا من جلّة الصحابة، وهو عملٌ ظاهرٌ بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان، لم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكاره »(13).
رضي الله عنهم ويظهر من كلام الحنفية أنهم يرون القنوت في رمضان كله، من أول الشهر إلى آخره، ولم يقيّدوه بالنصف الآخر ولا بالعشر الأواخر. وهو الذي قال به الأوزاعي رحمهم الله.
رضي الله عنهم وقد ذهب أبو ثور رحمه الله إلى أن القنوت في النصف الأول من رمضان(14).
والذي يحسن اليوم إقامة الأمر على ما كان عليه جماهير الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والدين من السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم، وهو ابتداء القنوت في التراويح من ليلة ست عشرة، ومن ابتدأه من أول الشهر أو اكتفى بالنصف الأول فلا يمنع، فلكلٍّ سلف صالح أخيار ، والحمد لله الذي جعل لنا الدين يسّراً ولم يجعل علينا فيه حرجاً.
الجانب الرابع: في كيفيته وصيغته:
فالقنوت دعاء يصح بما يصح به الدعاء في الجملة، والأصل في الدعاء رفع الأيدي فيه.
رضي الله عنهم وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله فيما سمعه منه حنبل كيف يكون القنوت في التراويح، فقال له «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (15). وكما وصف رحمه الله للفضل بن زياد حين سأله: «كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن؛ فارفع يديك قبل أن تركع، وأدع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه »(16).
رضي الله عنهم وفي كيفية القنوت في رمضان يرى أبو يوسف أن الإمام لا يجهر وأن المقتدي المأموم كذلك يقنت، ولا يكتفي بقنوت الإمام، لأنه دعاء ولأن الأفضل في الدعاء الإخفاء. بينما يذهب محمد بن الحسن إلى أن الإمام يجهر بالقنوت ويؤمِّن المأموم(17).
والذي ورد في كيفية القنوت بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول أن الإمام يجهر بدعائه في القنوت ةينصت مَنْ خلْفَه، يؤمنون على دعائه كلما وقف، كما قال ابن حبيب(18).
رضي الله عنهم أمّا صيغة القنوت فكل دعاء للمصلين وللمسلمين بجلب المنافع ودفع المضار، وبما يحفظ الملّة والأمة، والدعاء على الأعداء من الكفرة والمنافقين وأعداء الدين.
وقد كان من دعاء القنوت في التراويح على عهد الصحابة والتابعين لعن الكفار والأعداء، كما قال الأعرج رحمه الله: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وروى ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان: إنما يكون ذلك في النصف الآخر من الشهر وهو لعن الكفرة، يلعن الكفرة ويُؤَمِّنُ من خَلْفَهُ. ولا يكون ذلك إلا بعد أن يمر النصف من رمضان ويستقبل النصف الآخر.
ومن دعاء القنوت الدعاء على من استحق الدعاء عليهم كما قال مالك رحمه الله(19).
وكان من دعاء الأئمة في قنوت التراويح في عهد عمر رضي الله عنه ما ذكره عبد الرحمن بن عبد القاري خازن بيت مال المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنّ عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان فخرج وهو معه، فطاف بالمسجد، وأهل المسجد أوزاعٌ متفرقونٌ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: « والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل ». ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أبي بن كعب رضي الله عنه أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: « نعم البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون » – يريد آخر الليل – فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: ( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ) ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: « وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إن عذابك لمن عاديت ملحق) ثم يكبر ويهوي ساجداً » (20).
وهذا كله على التخيير والإباحة لا يلزم منه شيء، فمن شاء دعا به ومن شاء دعا بغيره.
ولكن الذي نراه في عصرنا ونشاهده في زماننا من فعل أئمة التراويح من المبالغة في الإطالة في دعاء القنوت كل ليلة ومن المبالغة الزائدة في ليلة الختم، ومن المبالغة في التسجيع وتصنع الأدعية على الألفاظ المسجعة والمترادفة وغير ذلك فهذا مما لا ينبغي، والغالب أنّ هذه الإطالة والمبالغة في تصنيع الأدعية وتطويلها وتمطيطها أنها تُدخل المشقة على المصلين وتثقل على الجماعة ، وربما أدخل الكسل على بعضهم بما يدعوهم إلى التخلّف عن جماعة التراويح في المساجد خوف هذه الإطالة وما يترتب عليها من المشقة. وخير الأمور أوساطها ، وما كان عليه سلف الأمة أوْلَى والاقتداء بحالهم وفعالهم أحرى وأحبّ، والله يتولى الصالحين.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3216، الدارقطني برقم 1687والطبراني في المعجم الأوسط برقم 9450، وابن حزم في المحلى بسنده ج3 ص 55 فقرة 459. وهذا الإسناد لا بأس به.
أخرجه مالك في الموطأ برقم 253، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4809، وفي شعب الإيمان برقم 3001.
بعض الجهات تعمل إمساكيات في رمضان تحدّد فيها وقت الإمساك بربع ساعة أو ثلث ساعة قبل أذان الفجر، هل الإمساك في هذا الوقت واجبٌ؟ أم يجوز أن نأكل ونشرب حتى أذان الفجر ؟.