الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى ← فتاوى الصيام

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

التهنئة بقدوم شهر رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

عند قدوم شهر رمضان من كل عام، نرى كثيرًا من الناس يبارك بعضهم لبعض بقدومه، بقولهم:" كل عام وأنتم بخير" أو " رمضان كريم" أو"مبارك عليكم شهر رمضان" أو غيره من عبارات التهنئة، ولكن نسمع بعض شبابنا يُنكر على الناس ذلك ويقول: "إنها بدعة": فهل يجوز ذلك؟ وهل له أصلٌ في الشرع؟ أفتونا مأجورين بارك الله فيكم.

جواب فضيلة الشيخ

التهنئة هي التبشير بالخير وأسبابه، فلا بأس أن يهنّئ المسلم إخوانه بقدوم شهر رمضان، وهو شهر الخير ومضاعفة الأجر، فيه ما فيه من الخير كما ورد في الأخبار.

ومما يدل على جواز التهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك جملة أدلة، منها:

1ـ تبشير النبي ﷺ أصحابه بمجيء الشهر المبارك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ يبشر أصحابه: ( قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم )(1) .

وفي اللطائف لابن رجب:« قال بعض العلماء: هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان ».

قال ابن رجب مقرّاً بهذا مؤيداً له: « كيف لا يبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟ كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان »(2).

وقال صاحب مرقاة المفاتيح :«هو أصل في التهنئة المتعارفة في أول الشهور بالمباركة»(3).

2ـ واستدل السيوطي رحمه الله بحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: « خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: ( يا أيها الناس! قد أظلّكم شهرٌ عظيم، شهرٌ مبارك، شهرٌ فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدَّى فريضة فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: ليس كلّنا نجد ما يفطر الصائم!! فقال : (يعطي الله هذا الثواب من فطّر صائماً على تمرةٍ أو شربةِ ماءٍ أو مذقةِ لبنٍ، وهو شهرٌ أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النار) الحديث» (4).

ونقل السيوطي عن ابن رجب أنه قال: « هذا الحديث أصلٌ في التهنئة بشهر رمضان»(5).

3ـ ومما يدل على جواز ذلك، ما فعله سيد الأولين والآخرين ﷺ مع أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه من تهنئته ببلوغ علمٍ ما، وإدراك فهمٍ ما، فعن أبى بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : « يا أبا المنذر! أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ ». قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال « يا أبا المنذر! أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ ». قال: قلت الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم. قال: فضرب في صدري وقال « والله ليهنك العلم أبا المنذر »(6).

فكونه رُزق فهماً وأدرك علماً استحقّ التهنئة عليه، فإذا أدرك شهر الخير والرحمة شهر رمضان، فلا أقلّ من أن يهنّا.

4ـ ومما يدلّ على جواز التهنئة بقدوم الشهر عادة السلف الصالح من الصحابة أنهم كانوا يهنّئون بعضهم في كل خير يصيبهم من النعم الدينية والدنيوية.

ومن التهنئة بالنعم الدنيوية:

أ ـ التهنئة بالبرء والشفاء ، وقد روى ثابت عن مسلم بن يسار أنه قال: «كان أحدهم إذا برأ قيل له : ليهنك الطهر » (7).

ومن التهنئة بالنعم الدينية:

أ ـ التهنئة بالعيد: قال الإمام أحمد رحمه الله: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد : تقبل الله منا ومنك . وقال حرب: سئل أحمد رحمه الله عن قول الناس في العيدين تقبل الله ومنكم، قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة. قيل: وواثلة بن الأسقع ؟ قال: نعم. قيل: فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد؟ قال: لا.

وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث ، منها: أن محمد بن زياد قال : كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك . وقال أحمد : إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد .

وقال علي بن ثابت : سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة ، وقال : لم يزل يعرف هذا بالمدينة (8).

ب ـ التهنئة بالتوية: كما في الصحيحين وغيرهما في قصة الثلاثة الذين خلفوا ” هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة وكعب بن مالك ، حين تاب الله عليهم، فبادر الصحابة رضوان الله عليهم بتهنئتهم بتوبة الله له، وبتهنئة النبي ﷺ لهم بذلك.

يقول كعبٌ رضي الله عنه: « فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني؛ نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنّوني بالتوبة، يقولون: “لتهنّك توبة الله عليك”. قال كعب رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّاني..لا أنساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور : (أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك).. » الخبر(9).

والشاهد تهنئة الصحابة لكعب بقولهم: “لتهنّك توبة الله عليك”.

وتوبة الله تعالى للمؤمن نعمة دينية، فثبت جواز التهنئة للمسلم بالنعمة الدينية، وبلوغ رمضان من ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: « وفيه دليل على استحباب تهنئة مَن تجدَّدت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل، ومصافحته، فهذه سُنَّة مستحَبة، وهو جائز لمن تجددت له نِعمةٌ دنيوية، وأن الأَوْلى أن يقال له: لِيهنك ما أعطاك الله، وما مَنَّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربَّها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها.»(10).

5ـ وفي التهنئة بمقدم هذا الشهر الفضيل خير كبير ومنفعة شرعية عظيمة، إذ في التهنئة تذكيرٌ بنعمة الله على المسلم، وتحفيزٌ له أن يبادر بمقابلة فضل الله عليه وكرمه ومنِّه بالإحسان في الطاعة والقيام بحق الشهر ومستحقه من الصيام والقيام.

وبهذا يكون أقلّ أحوال التهنئة الداعية إلى هذا الخير والمحققة لتلك المنفعة؛ الجواز، إنْ لم يكن الاستحباب.

فلا وجهَ لجعل التهنئة بقدوم شهر رمضان من البِدَعِ، والله الهادي للحق والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه أحمد في مسنده برقم 8979، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم 8959، والنسائي برقم 2106، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 3328، وقال شعيب الأرناؤوط عن روابة أحمدج2 ص 385: ” صحيح وهذا سند رجاله ثقات” وصحح الألباني رواية النسائي ج4 ص 129.
  2. لطائف المعارف، لابن رجب، ص 185.
  3. مرقاة المفاتيح، ج2 ص 648، عن أحكام التهنئة لرأفت الحامد العدني، ص 14.
  4. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، برقم 1887، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 3336، وفي الدعوات الكبير برقم 532، والحارث في مسنده برقم 321، وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعفوه من جهة حفظة، روى له مسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد ، والبخاري في الأدب المفرد، وقال عنه الترمذي: صدوق، والصدوق عند ابن الصلاح وكثيرٍ من أهل الحديث إذا انفرد كان حسن الحديث، ورضي المناوي بهذا الحديث في فيض القدير ج3 ص 107 واستشهد بهعلى أفضلية شهر رمضان على سائر الشهور، وقال: ” أفضل الشهور شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن والذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ” وسكت عنه المنذري في الترغيب والترهيب ج2 ص 67.
  5. وصول الأماني بأصول الأماني للسيوطي، ص 65 ـ 66، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية ، طبعة 1408هـ 1988م.
  6. أخرجه مسلم برقم 1921، وأحمد في المسند برقم 21315، والحاكم في المستدرك برقم 5326، والطبراني في المعجم الكبير برقم 527.
  7. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 36653، ج13 ص 582.
  8. راجع كل هذا في: المغني لابن قدامة، ج4 ص 274 الفقرة 1440.
  9. أخرجه الشيخان وغيرهما، البخاري برقم 4418، ومسلم برقم 7192.
  10. زاد المعاد ، لابن القيم، ج3 ص 585. مؤسسة الرسالة، ومكتبة المنار الكويت، ط 1415هـ 1994م.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصيام مع غسيل الكلى

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

أصبت بفشل كلوي قبل عدة شهور، فقرر لي الأطباء أن أغسل الكلية ثلاث مرات في الأسبوع، كل يوم أحد وثلاثاء وخميس، ولما دخل علي شهر رمضان كان لا بدّ أن أستمر في الغسيل ، لأني لا أستطيع إيقاف الغسيل من أجل أن أصوم شهر رمضان، بل صار من الضروري الذي لا بدّ منه أن أخضع للغسيل ثلاثة أيام في الأسبوع، ولم أجد طريقة للغسيل بالليل، لتزاحم مراكز الغسيل وكثرة المرضى، فجدول الغسيل لا يسمح بأي تعديل، فهل عملية غسيل الكلي في نهار رمضان يفسد الصوم؟.

جواب فضيلة الشيخ

أصحاب الغسيل الكلوي على درجات ومراتب من حيث الصيام، لأنّ منهم من لا يستطيع أن يصوم، ومنهم من يقوى على الصيام وما أصابه من فشل كلوي إذا غسّل المرات المقررة يصبح عادياً قادراً على الصيام، ومنهم من يكون الغسيل له إجراءاً طبياً مؤقتاً يزول بعد غسلات ما يعانيه فيعود كُلاه إلى العمل، فيستغني من الغسيل، فيدرك رمضان صائماً، وهكذا..

وهذا السؤال إنما يعني القادرين على الصيام منهم.

والذي عرفناه من حقيقة الغسيل الكلوي لمرضى الفشل الكلوي أنه على نوعين:

النوع الأول: ما يسمى بالغسيل البريتوني، ويكون بإدخال سوائل مرشحة بين طبقتي الغشاء البريتوني.

والنوع الثاني: ما يسمى بالغسيل الدموي، ويكون بإخراج دم المريض كله من جسده بواسطة أنبوب وإدخاله إلى آلة ( جهاز الكلية الصناعية ) تتولى تنقية الدم ثم إعادته إلى الجسم بعد، ويتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح إلى الدم داخل الآلة ( الكلية الصناعية) بغرض التنقية والتطهير وتعويض الدم ما فقده من المواد الضرورية لصحته.

وهذا الغسيل بنوعيه لم يكن معروفاً لدى فقهائنا في العصور الماضية، وعليه؛ فإنّ لعلماء العصر في أثر الغسيل على الصيام آراء:

ـ الرأي الأول: أنّ غسيل الكلى يفسد الصوم مطلقاً، وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية(1).

وسبب إفساده للصوم ما يحتويه الغسول من مواد كيماوية وغذائية كالسكريات والأملاح.

والرأي الثاني: التفريق بين نوعي الغسيل، وهو رأي مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية، فرأوا أنّ الغسيل البريتوني لا يكون مفطراً، إذ السوائل لا تدخل إلا بين طبقتي الغشاء البريتوني(2).

والرأي الثالث: يرى أنه لا يفطر سواءٌ أكان من نوع الغسيل الدموي أو الغسيل البريتوني، لأن الغسيل بنوعيه يلحق بالحَقْن، فليس أكلاً ولا شرباً، وهذا رأي للشيخ محمود عويضة وغيره(3).

والراجح فيما نرى القول بعدم فساد الصوم بغسيل الكلى، وذلك للآتي:

أولاً: أما الغسيل البريتوني؛ فإنّ غاية ما يكون إدخال سوائل مرشحة لتنقية الدم من السموم عبر منفذ بين السرة والعانة تُدفع بطريقة تفكِك السموم والشوائب من الدم ثم تسحب هذه السوائل، وهذه السوائل حدّها ما بين طبقتي الغشاء البريتوني، فلا يصل إلى الجوف، ولا يدخل الجهاز الهضمي، وليس من أغراضه ولا من آثاره إذهاب جوع ولا عطش، بل كل ما تفعله السوائل تنقية الدم من الشوائب والسموم، فلا يكون مفطراً.

وسبب عدم إفساده للصوم وعدم إفطاره للصائم: أنّه وإن يُدخل إلى الجسم سوائل فإنها لا يكون إدخالها بمنفذ معتاد ـ كما قررناه من قبل ـ ولا تصل إلى الجوف، وإنما يكون بين طبقتي الغشاء البريتوني، كما أنها لا تحدث شبعاً ولا رِيَّاً، وما كان هذا صفته فلا يفسد به صوم.

ثانياً: أما الغسيل الدموي، فإنّ صورته تتكون من الآتي:

1ـ دم المريض الذي يُخرج بواسطة أنبوب إلى جهاز الكلية الصناعية، ففيه إخراج للدم، فأشبه الحجامة، وقد تقرر من مذهب جماهير الفقهاء عدم إفساد الحجامة للصوم. فثبت أنّ مجرد خروج الدم لا يفسد الصوم.

2ـ إرجاع الدم إلى جسم المريض بنفس الطريق أو بطريق مطابق للطريق الأول، وهذا يشبه إدخال الدم لفاقده بطريق الوريد، وقد ذهب جماهير علماء العصر إلى عدم إفساده للصوم، فهو الذي عليه فتوى الأزهر في عام 1948م، والذي خرجت به الندوة الإسلامية الطبية التاسعة في الدار البيضاء، وهو الذي قال به الشيخ محمد بخيث المطيعي والسيد سابق ومحمود عويضة والشيخ القرضاوي، وغيرهم(4).

3ـ إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح إلى الدم داخل جهاز الكلية الاصطناعي خارج الجسم، بغرض تطهيره وتنقيته من الشوائب والسموم، ويترتب على ذلك:

أ ـ تحلّل هذه المواد مع الدم بحيث تستحيل إلى دم إنسان، فلا تتميز عنه بل تكون من مكونات الدم الطبيعي بعد إضافتها.

ب ـ إضافتها وإدخالها في الدم يكون خارج جسم الإنسان، فلا يدخل الدم من منفذ معتاد أو حتى غير معتاد.

ج ـ لا يحدث قطعاً شبعاً ولا ريّــاً، وإنما غرضه وأثره تطهير الدم وتنقيته من الشوائب والسموم، بل جسمه لا يستفيد سوى هذه التنقية والتطهير للدم، كما أفاد بعض الخبراء الأطباء.

وبهذه الحقائق والمعطيات؛ لا يكون غسيل الكلى الدموي ولا البريتوني مفطراً للصائم، ما استطاع أن يصوم مع مرضه.

وعليه: فإنّ أصحاب الغسيل الكلوي (البريتوني والدموي على سواء) لا يفسد صوم من قوي على الصيام، ولا شيء عليهم لا قضاء ولا فدية ولا شيء إنْ كانوا صائمين.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: فتاوى اللجنة الدائمة، ج10 ص 190، فتاوى الصيام من موقع الإسلام سؤال وجواب، ص 114 ـ 115.
  2. راجع فتوى مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية، ج5 ص 8057، برقم 25751، وبرقم 38982.
  3. انظر: الجامع لأحكام الصيام، محمود عويضة، ص 241، أحكام استعمال الدواء للصائم، محمد نعمان البعداني، ص 235 ـ 236.
  4. فقه الصيام للقرضاوي ص 101، يسألونك في الدين والحياة للشرباصي، ج1 ص 144، ج3 ص 53، أحكام استعمال الدواء للصائم، ص 309.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

شرب الدخان والسجاير للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

رجل في بعض القرى يصوم ولكنه في نهار رمضان - وهو صائم - يشرب الدخان "السجاير" ويقول : إنه غير مفطر وهو مكروه فقط . ما حكمه ؟

جواب فضيلة الشيخ

السجاير وشرب الدخان حرام باتفاق جماهير أهل العلم ، ولا يختلف في حرمته فقيه في الشرع عالم بمقاصده ، لأنه ضار بإجماع الأطباء وأهل العلم بالطب، وفعل ما فيه ضرر بين ـ قطعياً كان أو غالباً ـ محرم باتفاق . ومع ذلك قال كل من سئل عن حكمه بالحرمة . إلا ما حُكيَّ عن بعض المتأخرين والمعاصرين بأنه مكروهٌ كراهة تحريم. “والمكروه كراهة التحريم” مصطلح معروف عند أهل الفقه والأصول، خاص بالحنفية وهو من قسم المحرم عندهم الذي لا يكفر منكره ، بينما المحرم يكفر منكره لأن دليل المحرم قطعي لا شبهة فيه ودليل المكروه كراهة التحريم فيه شبهة عندهم، والمشهور عن الحنفية التحريم، فالشربتلالي في نظمه نصّ قائلاً: ويمنع من بيع الدخان وشربه. والعلامة عبد الحي اللكنوي ألّف رسالة خاصة بذلك سماها: زجر أرباب الريان عن شب الدخان(1) .

فالسجاير محرمة ولا يُعلم خلاف في حرمته في عصرنا لما ثبت من ضررها القطعي بالشارب والمشتم معاً باتفاق الأطباء من أهل المعرفة بذلك، وإنْ كان للعلامة علي الأجهوري المالكي ولعبد الغني النابلسي في عصرهما خلافٌ(2)، ولو أنهما علما ما علمه علماء العصر في هذا الزمان؛ ما وسعهما إلاّ موافقة الناس في حرمته، مثلما فعل الشيخ الزيادي الشافعي رحمه الله.

قال البجيرمي رحمه الله: « وأما الدخان الحادث الآن المسمى بالنتن لعن الله من أحدثه فإنه من البدع القبيحة، فقد أفتى شيخنا الزيادي أولاً بأنه لا يفطر، لأنه إذ ذاك لم يكن يعرف حقيقته، فلمَّا رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها؛ رجع وأفتى بأنه يفطر»(3).

وفي شرحه قول الخطيب: ( ويحرم ما يضر البدن أو العقل ) يقول البجيمي: ومنه يُعلم حرمة الدخان المشهور، لما نقل عن الثقات أنه يورث العمى والترهل والتنافيس واتساع المجاري(4). وذكر بعضهم أن من أسباب تحريمه: أنه يفتح مجاري البدن ويهيئها لقبول الأمراض المضرة (5).وهذا ما توصّل إليه البحث الطبي الحديث في زماننا أنه سبب لقبول الجسم التسرطن.

وذهب الحنابلة إلى أن شارب الدخان المعلن له فاسق كما جاء في الشرح الممتع لابن عثيمين رحمه الله: « ولو أذن المعلن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرا، فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف». وجاء في موضع آخر: « ولو اجتمع شخصان كلاهما يشرب الدخان لم يصل أحدهما بالآخر، لأن كل واحد منهما فاسق » (6).

ونقل إبراهيم اللقاني رحمه الله عن بعض فقهاء السودان وقد سئل عنه رحمه الله تعالى: « ظهرت أوراق شجر في تنبكتو وابتلي المسلمون بحرقها وشرب دخانها في كل وقت زاعمين أنها دواء لكل داء واستعملها خاصتهم وعامتهم وسلاطينهم وكبراؤهم وغلت أثمانها وهذا من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل ».

وذكر عن شيخه سالم السنهوري رحمه الله قائلاً: « وسئل عنه أي الدخان شيخنا وقدوتنا العلامة سالم السنهوري، فأفتى بتحريمه واستمر على فتواه به إلى موته، ولم يخالفه فيه أحدٌ من علماء عصره، وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم ».

وجزم اللقاني رحمه الله بأن مذهب الحنفية التحريم(7).

وبهذا ثبت تحريم شرب الدخان والسجاير في المذاهب الأربعة.

ومما ذكره الفقهاء في زمانهم عن علّة تحريمه:

1ـ أنه من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل.

2ـ تكرار الدخان يسوّد ما يتعلّق به، وتتولّد منه الحرارة، فتكون داءً مزمناً مهلكاً، فيشمله قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ [ النساء،29].

3ـ أنّ مبدأ خروج الدخان من أرض النصارى الإنكليز، استعملوه على هذه الهيئة، فمن استعمله فقد أحيا سنتهم وقوىَّ بدعتهم.

4ـ دعوى أن فيه بعض الشفاء لبعض الناس؛ أنه لا شفاء فيه أصلاً، وضرره مشاهد في أكثر مستعمليه، وأدنى ضرره إفساده العقل والبدن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتها شرعاً وعادةً ومروءةً، كما يلوث آلة شربه. والظاهر عنوان الباطن واستعمال المضر حرام.

5ـ أطبق الأطباء على أن أصناف الدخان مجففة ونص القانون وأصناف جميع الدخان مجففة بجوهره الأرضي وفيه نارية مشوبة بجوهرة الناري ولذا يطلب العلو ما دام مختلطا بالأجزاء النارية ا هـ . فإذا كان مجففا للرطوبات البدنية فقد أدى إلى حصول أمراض كثيرة واحتراق الكبد والدماغ والقلب ويتبعها في ذلك سائر البدن.

6ـ ما قاله رئيس الأطباء أبو علي بن سينا: « لولا الدخان والقتام لعاش ابن آدم ألف عام » (8).

هذا؛ غير المضار والمفاسد التعبدية المترتبة على شرب الدخان، وقد قال الشيخ الخرشي شارح خليل رحمه الله في ذلك:

في الناس قومٌ سخافٌ لا عقول لهم * استبدلوا عوض التسبيح دخانا

أنبـوبة في فــمٍ والنًّــــــــــــــار داخلها * تجـرُّ للجوف دخــــــاناً ونيرانا

لو كان في ذاك ذكر الله مـــــــا قربت * إليهــــــم النَّار إجــلالاً لمولانا

وقال بعضهم:

من قـرأ القــرآن منتن الـــــــــــــفم من غيـــــــــــر ردة أتى بمــأثم

وشارب الــدخان بالإثــــــم أحقّْ لأنه أنتنـــــــــــــــــــه بغـير حقّْ

وعلى كلٍّ: فشرب في نهار رمضان يفسد الصوم(9)، لأنه فعلٌ محرّمٌ يمكن التحرز منه ، فإن فعله متعمّداً عالماً بإفساده وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه منتهك حُرمة الصيام بمحرّم، وإن فعله جاهلاً بإفساده وجب عليه القضاء، وإن فعله ناسياً، لا قضاء عليه مع الإثم .

وبإيجاب شرب الدخان والسجاير في نهار رمضان القضاء والكفارة أفتى المالكية والحنفية.

وقد سئل الشيخ عليش عمن شرب الدخان في نهار رمضان عامدا فهل تلزمه الكفارة ؟. فأجاب: نعم تلزمه الكفارة إن وصل لجوفه. قال ابن عرفة تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له بموجب الغسل وطئاً وإنزالاً والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم. وفي المختصر: وكفّر إنْ تعمّد أكلاً أو شرباً بفم فقط، ووصل لجوفه، وقال عبد الباقي” لعله الزرقاني”: الدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق، بل إلى الجوف أحياناً ويقصد. وفي المجموع : وصحته بترك ما يصل المعدة مطلقا أو الحلق من مائع أو دخان ثم قال: كفّر منتهك رمضان بإدخالٍ من فمٍ فقط.. » ا هـ (10).

وفي موضع آخر قال: « وضع الدخان في الفم على الوجه المذكور مضاد لحقيقة الصيام التي هي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى تمام غروب الشمس بنية ; لأنه نوع من أنواع التكيف به تسميه العامة مضغاَ ويصل طعمه للحلق ويتكيف به الدماغ مثل تكيفه بالدخان الذي يمص بالعود أو يتنشق به من الأنف أو أشد فلا شك في إفطاره الصائم وإيجابه الكفارة الكبرى إن كان في أداء رمضان عمدا بلا تأويل قريب»(11).

وقد نظم الشربتلالي الحنفي في ذلك بيتين قائلاً (12) :

ويمنع من بيع الدخان وشربه

وشاربه في الصوم لا شكَّ يفطر

ويلزمه التكفير لو ظنَّ نافعاً

كذا دافعاً شهوات بطنٍ فقرروا (13)

الحواشي

  1. انظر: حاشية ابن عابدين ج2 ص 98، والجامع الصغير عبد الحي اللكنوي، ص 60.
  2. راجع: حاشية ابن عابدين ج6 ص 456.
  3. تحفة الحبيب على شرح الخطيب لسليمان البجيرمي، ج3 ص 110 .
  4. تحفة الحبيب ، ج5 ص 233.
  5. انظر: حاشيتي قليوبي وعميرة، ج1 ص 341.
  6. الشرح الممتع على زاد المستنقع للعثيمين، ج2 ص 69، ج4 ص 216.
  7. راجع هذا وما قبلهما في فتح العلي المال في الفتوى على مذهب الإمام مالك ج1 ص 284 .
  8. كل هذه الأسباب وغيرها من الفصل السابع من رسالة إبراهيم اللقاني رحمه الله ( نصيحة الإخوان باجتناب الدخان) نقله الشيخ عليش في: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج1 ص 283 – 288.
  9. ذكر الشيخ الدردير في شرحه الكبير ج1 ص 525 أن الدخان الذي يُشرب بقصب ونحوه يفطر لأنه يصل للحلق بل للجوف. وراجع أيضاً حاشية الدسوقي ج5 ص 119، لأنه يصل للحلق ويتكيف به الدماغ .
  10. فتح العلي المالك، فتاوى الشيخ عليش ج1 ص 436 .
  11. فتاوى عليش (فتح العلي المالك) : ج1 ص 437.
  12. حاشية ابن عابدين 2/98 وناظمه الشربتلالي .
  13. وقد أصدر مجلس الإفتاء الشرعي بالسودان في جلسته بتاريخ 20/11/1990م و 29/10/1991م فتوى بتحريم السجاير ، ونصّ شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت على تحريمها وأيضاً الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه يسألونك في الدين و الحياة ص 258 – 259 ، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الحلال والحرام ص 77 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

من فرَّط في إخراج زكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

رجل فرّط في إخراج زكاة الفطر حتى آخر يوم العيد، فهل يكون مطالباً بالقضاء؟ وإلى متى يكون مطالباً بقضائها إنْ كان عليه إخراجها؟

جواب فضيلة الشيخ

الذي لم يؤدّ زكاة الفطر حتى خرج وقتها وهو غروب شمس يوم العيد؛ ثلاثة أشخاص:

الأول: من عجز عن إخراجها وقت الوجوب ، وهذا حكمه : أنه يندب له القضاء إذا أيسر قبل الغروب من يوم عيد الفطر ، ولم يكن عنده شيء حتى مضى لذلك أعوام ثم أيسر ؛ لم يلزمه قضاء زكاة الفطر لماضي السنين .

الثاني: المفرّط الذي كان واجداً ميسور الحال في وقت الوجوب، وفرّط حتى خرج وقتها بغروب يوم عيد الفطر ، فحكمه : أنه يجب عليه قضاؤها ولو طال الزمان ، مهما أخرها طولب بها فيقضي لماضي السنين كلها ، ولا يسقط بطول الزمان ومضيه .

والثالث: الناسي، الذي كان واجداً في وقت الوجوب، ولكنه نسي أن يخرجها لشاغل أو سبب ما، فحكمه: كحكم المفرّط يجب عليه قضاء زكاة الفطر وقتما تذكّر، ولو مضت على نسيانه السنين الطوال؛ لا تسقط عنه زكاة الفطر .

جاء في المدونة : ” من لم يكن عنده شيء حتى مضى لذلك أعوام ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين .. وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين ” (1).

وقد نظم ذلك عبد العزيز الأحسائي فقال: (2)

وهي بطـــــــول مدة لا تسـقط سـواءٌ المعـــــــــــذُور والمفـرِّطُ

أقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويح

أقضية

صلاة التراويح

أقضية

صلاة التراويح

الحواشي

  1. نقله في تبيين المسالك ج2 ص 137 عن التاج والإكليل ، ج2 ص 376.
  2. نقله في تبيين المسالك ج2 ص 137 عن بغية الطالب النبيل بنظم قسم العبادات من مختصر خليل ص 95 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتكاف القائم على اليتيم والصغير

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا أب لبنتين وابن والثلاثة صغار، وقد توفيت أمهم رحمها الله تعالى، فأنا أقوم عليهم حتى يشغلوني عن الاعتكاف رغم رغبتي الكبيرة في أن أعتكف أياماً في رمضان، فهل عليّ حرجٌ أنْ لا أعتكف؟.

جواب فضيلة الشيخ

ذكرنا في جواب السؤال السابق أنّ حكم الاعتكاف الأصل هو الاستحباب والندب، وأنه لا يجب على أحد الاعتكاف إلا إذا نذره، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: “وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه ” (1). وهو ما نقله موفق الدين بن قدامة وشمس الدين بن قدامة وابن هبيرة والنووي وابن رشد الحفيد وغيرهم، كلهم نقلوا الإجماع على أنه لا يجب إلا بالنذر(2).

ومعنى ذلك أن من لم ينذر الاعتكاف لا يجب عليه، وإنما فقط يُندب له ويُستحب، والمندوب أو المستحب مما يجوز فعله وتركه ولكن فعله أولى من تركه، لا مما يجب فعله، ولذلك لا يأثم تارك المندوب أو المستحب.

وأنت فيما ذكرتَ عن حالك، فإنّ قيامك على أولادك الصغار، وانشغالك بأمورهم واجب عليك، واعتكافك في رمضان أو غيره مندوب مستحب، فإنْ اعتكفت تكون قد تركت واجباً من أجل مندوب، والشرع لا يجوّز ترك الواجبات من أجل المندوبات لأنه يؤدي إلى ضياع الواجب بما هو أقلّ منه وأدنى، فالواجب لا يترك إلا لواجب مثله ـ كما يقول الفقهاء.

وعليه: فلا حرج عليك، أن لا تعتكف من أجل رعاية أولادك الصغار والقيام بأمورهم، وفي مثل حالك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ” لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني (مسجد المدينة) شهراً “(3). وِشأنك أولى وأحقّ بذلك، لأنك ساع في حاجة ضعفاء أيتام صغار.

بل قد ذهب الإمام رمالك رحمه الله تعالى إلى أنّ الاعتكاف قد يكون مكروهاً في حقّ من لا يقوى عليه ومن لا يقدر على الوفاء بحقه، ولا شكّ أنك مع انشغال قلبك بأمر أولادك الصغار الذين ماتت أمهم عنهم، لن تقدر على الوفاء بحق الاعتكاف، فربما كان في حقك مكروهاً ـ على قول مالك ـ وقد قال في المدونة: ” ولا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف” (4).

ولذلك نصّ المالكية على أنه : ” يُكره الاعتكاف لغير مكفي الشؤون، لما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق الواجبة، ولما فيه من لجوء المعتكف للخروج من المسجد لطلب الغذاء ونحو ذلك”(5). ولا شكّ أن حالتك داخلة فيما قالوه.

ومما يخفف عليك الأمر أكثر؛ أنّ مالكاً رحمه الله ذكر في المدونة (6) أن أئمة الصحابة من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أبا بكر وعمر وعثمان لم يبلغه أنهم اعتكفوا، وأن أئمة التابعين لم يبلغه أنهم اعتكفوا ولا أحداً ممن يُقتدى به، إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث رحمهم الله تعالى، وذلك لشدّة الاعتكاف عليهم لانشغالهم أو خوفهم ألاّ يوفوا بحقه وشرطه.

فلا حرج عليك، بل نسأله تعالى أن يجزيك خيراً على ما تقوم به من رعاية أولادك الصغار، حفظهم الله لك وأصلحهم ونفعك ببرهم، والحمد لله.

الحواشي

  1. كتاب الإجماع لابن المنذر ص 16 المسألة رقم 130.
  2. راجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 122، الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة، مع المغني ج3 ص 122، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ج1ص 219، والمجموع شرح المهذب ج6 ص 469، بداية المجتهد ج2 ص 201.
  3. من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 84 برقم 13468.
  4. المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342 .
  5. تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، ج2 ص 192.
  6. المدونة نفس الموضع.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

من لا يصوم إلاّ إذا رأى الهلال بنفسه

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

بعض أهل بلادنا لا يصومون مع الناس ؟ حتى يروا الهلال بأنفسهم أو يراه بعض من ينتمي إليهم في القبيلة أو الطريقة ، حتى إنهم في بعض السنوات يصومون بعد الناس بيومين أو ثلاثة ؟

جواب فضيلة الشيخ

هذا المذهب باطل، ولا يقرون عليه لمخالفته الشرع الواضح للأدلة الآتية:

أولاً : اتفق جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ، ووافقهم عليه المتأخرون والمعاصرون ، وقررته المجامع الفقهية ومجامع البحوث ومجالس الإفتاء في عصرنا أنه لا عبرة باختلاف المطالع بين البلاد الإسلامية التي تشترك مع بعضها في جزء من الليل ، فكيف بالقرى التابعة للدولة الواحدة والقبائل أو الطوائف داخل المصر الواحد والمدينة الواحدة(1).

ثانياً : الشارع علّق وجوب صيام شهر رمضان بمطلق الرؤية فقال: (صوموا لرؤيته) ، والمطلق يتحقق بأول أفراده ، فإذا رؤي الهلال من مسلم عدل أو مسلمين عدلين ثبت الشهر فلزم الصيام الجميع .

والرؤية غير مقيدة برؤية كل واحد من المسلمين وإلا لم يلزم الصيام أعمى أو أعمش أبداً ، وإنما الرؤية الشرعية هي رؤية بعضهم لأن القصد ثبوت الرؤية بقطع النظر عن الرائين ، ولو كانت العبرة بالرائين لقال: “صوموا لرؤيتكم” . فكان المعتبر ثبوت الهلال وإن لم يره أغلب الناس، حتى في الرائين العبرة أن يكون من المسلمين لا أن يكون من أبناء القبيلة أو أهل الطريقة .

ثالثاً : إن اليوم الذي يصوم فيه الناس هو اليوم الشرعي الذي يجب أن يبدأ فيه شهر رمضان، لأن النبي ﷺ قال:( الصوم يوم يصوم الناس)(2)، فإذا علموا يوم صوم الناس وهو جماعة المسلمين وإمامهم “الحاكم” لزمهم الصيام.

رابعاً : لو اعتبرنا أنَّ هذه المسألة خلافية ، فإنها تُرفع بأمر الحاكم المسلم المطاع ، لأن أمر الحاكم يرفع الخلاف في القضايا العامة بلا خلاف . فإذا أصدر الحاكم أمراً بإعلان أول الصوم وآخره وجب على الجميع الالتزام به سواء عرفوا أمره بالإذاعة أو بالتلفاز أو بالصحف أو غيرها.

الحواشي

  1. حتى من يرى اختلاف المطالع من الشافعية وغيرهم لم يقولوا بجواز انفراد الواحد أو المجموعة بالشهر على خلاف ما عليه أهل بلادهم . فالشافعية لا يعتبرون اختلاف المطالع في البلاد القريبة والمتصلة والماجشون من المالكية ، وإن رأى اختلاف المطالع ولكن إذا صام الإمام “الحاكم” برؤية بلدٍ آخر لزم الناس .
  2. هكذا ذكره ابن تيمية في الفتاوى وعند الترمذي في كتاب الصيام برقم (697) بلفظ: (الصوم يوم تصومون). وعند أبي داود في كتاب الصوم برقم 2324 بلفظ: (وفطركم يوم تفطرون). وحسّنه الترمذي .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

توقُّـع المـرض

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

صائمٌ اعتاد دائماً أنه في اليوم الخامس أو السادس من الشهر تصيبه ملاريا أو مرض آخر مما يضطره للإفطار في رمضان ، فهل يجوز له أن يفطر بعلمه قبل وقوع المرض ؟.

جواب فضيلة الشيخ

من توقع المرض في يوم معين من أيام رمضان ، أو اعتادت المرأة أن تحيض في يوم معين ؛ لا يجوز لهؤلاء الإفطار بمجرد التوقع دون الوقوع، لأن المتوقع للمرض ليس بمريض ، بل هو صحيح ، والصوم فرض على الصحيح، كما أن معتادة الحيض في اليوم المعين لم تحض بعد ، فهي طاهرة غير حائض، والفطر إنما يجوز للحائض .

وعليه فلا يفطر متوقع المرض حتى يتلبسه المرض ، كما أن معتادة الحيض لا يجوز لها الفطر حتى تحيض لأن التوقع لا يكون وقوعاً .

وفيمن أفطر متوقعاً :

قال أكثر المالكية : عليه الكفارة .

وقال ابن عبد الحكم منهم: عليه القضاء دون الكفارة(1). وهو ما نختاره في الفتوى ..

والله تعالى أعلم ..

الصياموأقضية السفرالصياموأقضية السفرالصياموأقضية السفرالصياموأقضية السفر

الصيام

وأقضية السفر

الصيام

وأقضية السفر

الحواشي

  1. انظر : الشرح الصغير 1/712 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

شرب الخمر في رمضان:

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

في يومٍ من أيام رمضان خرجنا من المسجد بعد صلاة الظهر ونحن جماعة فإذا بنا نرى رجلاً يمشي أمام المسجد وهو سكران، فما عرفنا ماذا نصنع معه، هل نضربه أم نزجره أم نذهب به إلى الشرطة أم ماذا؟ أفيدونا عن حكم هذا الفعل أثابكم الله.

جواب فضيلة الشيخ

إنّ إظهار المباحات المعروفة من الأكل والشرب، وفعلها في نهار رمضان من أكبر الكبائر، إذ فيه انتهاك لحرمته، وإظهار لما نهى الله عنه، فكيف بإظهار المعاصي والكبائر المتفق عليها؟ لا شكّ هذا من أعظم ما يقترفه المسلم من الذنوب.

وعليه: فإنّ هذا الذي شرب الخمر في رمضان وأظهر سكره في نهاره بين الصائمين، يجب أنْ يُردع حتى لا يتساهل في إظهار المعاصي وانتهاك حرمة رمضان.

ولذلك:

أولاً: لا يترك هذا الشارب السكران، بل ينكر عليه، والإنكار عليه بالزجر أو التوبيخ أو نحو ذلك لا يجدي مع مثله لأنه سكران، ولن يعي شيئاً مما يزجر به أو يوبخ عليه؛ فلم يبق من سبيل للإنكار عليه إلاّ أن يؤخذ إلى الشرطة والسلطان ليقيم عليه الحد ويعاقبه.

ثانياً: لا يكفي إقامة حدّ شرب الخمر عليه، لأنه ارتكب كبيرات شنيعات، أولها: شربه للخمر، وثانيها: إظهاره السكر والمعصية أمام المسلمين، وثالثها: انتهاكه لحرمة رمضان. فيحدّ لشربه الخمر، ويعزّر بأشدّ العقوبة لإظهاره هذه المعصية الكبيرة أمام المسلمين ولانتهاكه حرمة شهر رمضان.

وقد وقع مثل ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، أمّا ما كان في عهد عمر رضي الله عنه فحكم فيه ؛ فهو ما جاء في مصنف عبد الرزاق رحمه الله بسنده عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية أنّ عمر بن الخطاب كان إذا وجد شارباً في رمضان نفاه مع الحد(1).

وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أتي عمر بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين للمنخرين وولداننا صيام؟ قال فضربه ثمانين ثم سيره إلى الشام(2).

وفي المصنف لابن أبي شيبة عن أبي سنان البكري قال: أتي عمر برجل شرب خمراً في رمضان فضربه ثمانين وعزّره عشرين (3).

وأمّا الذي وقع في خلافة عليٍّ رضي الله عنه فحكم فيه فهو ما جاء في المصنف لابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: ( أوتي عليٌّ برجل شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين وعزّره عشرين))4(.

وعن أبي مصعب عطاء بن أبي مروان ، عن أبيه ؛ أن عليَّاً أُتي بالنجاشي الحارثي الشاعر سكراناً من الخمر في رمضان ، فتركه حتى صحا ، ثم ضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ، فقال رضي الله عنه: « ثمانين للخمر ، وعشرين لجرأتك على الله في رمضان، وعند البيهقي: لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان » (5).

والنجاشي هذا هو قيس بن عمرو الحارثي ، وان فاسقاً رقيق الدين.

وقصته أنه خرج في شهر رمضان على فرسٍ له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمالٍ الأسدي فوقف عليه، فقال: “هل لك في رؤوس حملانٍ في كرشٍ في تنورٍ من أول الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرأت؟” فقال له: “ويحك أفي شهر رمضان تقول هذا؟” قال: “ما شهر رمضان وشوالٌ إلا واحداً!” قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شراباً كالورس، يطيب النفس، ويجري في العرق، ويكثر الطرق، ويشد العظام ويسهل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخَرَا، فعلتْ أصواتُهما، فسمع ذلك جارٌ لهما، فأتى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره، فبعث في طلبهما، فأمّا أبو سمالٍ فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشي فأتى به عليَّاً رضي الله عنه فقال له: “ويحك، ولداننا صيامٌ وأنت مفطرٌ؟”. فأقام عليه الحدّ وعزّره بأشدّ العقوبة.

وقال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، فقال النجاشي: “ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟” فقال: “هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان”. ثم حمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: “سلح سلح”(6)، فيقول: “كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ”؛ وهجا أهل الكوفة فقال:

إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ فلا سقى الله أهل الكوفة المطــــــرا

وأرسل الريح تسفي في عيونهم حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجـــــــــرا

ألقى العداوة والبغضــــاء بينهم حتى يكونوا لــن عاداهم جــــــــزرا

السّــــــــــارقين إذا مـا جنّ ليلهم والدّارسين إذا ما أصبحوا السّــورا

والتّاركين على طهرٍ نســــــاءهم والنّاكحين بشطّــي دجلـة البقـــــرا

ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ:

يا أيّها الملك المهدي عـــــداوتـه انظر لنفســك أيّ الأمر تــــــأتمر

واعلم يقيناً بأنّ المجــــــد في نفرٍ هـم العرانين ما ساواهم بشـــــــر

فإن نفست على الأقوام مجـدهم فابسط يديك فإنّ الخير مـبتــــدر

نعــم الفتى أنت إّلا أنّ بينكمــــــا كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر

إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحــــــدٍ حــتى أبيّن مــــــــــــا آتي وما أذر (7).

وعلى هذا:

فشارب الخمر في رمضان ينتهك بذلك حرمة نهاره يعاقب وجوباً بما يلي:

1ـ يجلد الحدّ الأقصى ثمانين جلدة.

2ـ يحبس كما فعل عمر وعلّ رضوان الله تعالى عليهما.

3ـ يعزّر بجلد زائد عن الحدّ وقد جلد عمر وعليّ كلاهما عشرين جلدة زيادة على الحدّ ( الثمانين ).

4ـ أن ينكّل به، ويطاف به ويسمّع ويشهّر به زيادةً في النكال والعقوبة، على ما ذهب الإمام الزهري رحمه الله، وقد قال: « مَن شرب في رمضان، فإنْ كان ابتدع ديناً غير الإسلام؛ استُتيب. وإنْ كان فاسقاً من الفسّاق؛ جُلد، ونُكّلَ وطُوّف وسُمّع به. والذي يترك الصلاة مثل ذلك(8).

الحواشي

  1. مصنف عبد الرزاق برقم 17044.
  2. مصنف عبد الرزاق برقم 13557، وذكره الحافظ في الفتح ج4 ص 201 وقال: وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات، وقوله: للمنخرين: دعاءٌ عليه كقولهم: بعداً وسحقاً، كما ذكره أبو عبيد في غريب الحديث له ج3 ص 395. قلت: ولعل المعنى: كُببت على المنخرين أو في معناه والله أعلم.
  3. مصنف ابن أبي شيبة برقم 8741.
  4. مصنف ابن أبي شيبة برقم 29284.
  5. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 29218، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 18001 و17324، ومصنف عبد الرزاق برقم 13556. وبرقم 17042.
  6. ( ( سَلَحَ، يقال إذا خرئ الطير أو الوحش أو الحمار، وهو شتمٌ وإهانة له ، لما فعله، وذلك ما كان عليه صالحو هذه الأمة كباراً وصغاراً، من القرون الخيرة، أما اليوم؛ فلا تجد التمعّض والغضب والإنكار إلاّ من قلة قليلة، نسأل الله تعالى أن يعيد لأمتنا مجدها وأن يرجعها لدينها كما يحب ويرضى.
  7. انظر: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 311-312، والبصائر والذخائر، لأبي حيان الأندلسي، ج1 ص 448، والشعر والشعراء لابن قتيبة، ج1 ص 65. وخزاة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي، ج4 ص 74.
  8. مصنف عبد الرزاق ج9 ص 232 برقم 17045.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكـم صـلاة التـراويح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

بعض الناس في شهر رمضان يهتم بصلاة التراويح أكثر من الصلوات الخمس، ويهمل بعض الأوقات من الصلوات المكتوبة ويتساهل في البعض الآخر فيدخل الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء مثلاً، وأحياناً يتكاسل عن صلاة الفجر؛ ومع ذلك تجده يهتم بشدة بأداء صلاة التراويح مع الجماعة في المسجد، فأرجو أن تبيّن لنا حكم صلاة التراويح، وهل هي أهم من الصلوات الخمس؟.

جواب فضيلة الشيخ

صلاة التراويح هي الصلاة التي تؤدَّى في ليالي شهر رمضان المعظم من كل عام بعد صلاة العشاء، فهي قيام رمضان الذي سنّه المصطفى الحبيب ﷺ، وإنما سميت بالتراويح للترويحة التي تكون بعد كل أربع ركعات استراحة من طول القيام والركوع والسجود، وكان أول من فعلها هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم جمع الخليفةُ الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فيها على إمام واحد.

وصلاة التراويح أجمعت الأمة على مشروعيتها وأنها سنة.

قال النووي رحمه الله:” صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء(1).

وقال الطحاوي: ” التراويح سنة بإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأمة، منكرها مبتدعٌ ضالٌّ مردود الشهادة.(2).

وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أنّها سنّة، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: ” كان رسول الله ﷺ يُرغّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه)(3). فها هو أبو هريرة رضي الله عنه يصرّح أن النبي ﷺ كان يرغّب في أدائها ولم يفرضها على الأمة، فدلّ أنها سنة وليست فرضاً.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول: ( اجلسوا ثم مشَى بخطبة خفيفة، يقول: أما بعد، فإنّ هذا الشهر كُتب عليكم صيامه ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير .. “الخبر(4). وهو صريح في حكم صلاة التراويح وأنها سنّة وليست فرضاً.

قال أبو يوسف رحمه الله: (( سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر؟ فقال : التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرّصه عمر رضي الله عنه من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ، ولقد سنّ عمر رضي الله عنه هذا وجمع الناس على أبيّ بن كعب رضي الله عنه فصلاّها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما رد عليه واحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك ))(5).

وعلى هذا: فإنّ الذي يهتم بصلاة التراويح أكثر من اهتمامه بالصلوات المفروضة قدّم الاعتناء بالمسنون على الاعتناء بالمفروض، وهذا بلا ريب مسيءٌ، والواجب عليه وعلينا جميعاً أن نهتم بالواجبات والمفروضات أكثر من اهتمامنا بالمندوبات والمسنونات، ولا يعني هذا أن نهمل أو نتساهل في صلاة التراويح وغيرها من الصلوات غير المفروضة! وإنما نعني بأن نهتم بكل الطاعات مفروضها ومسنونها ولكن نعتني أكثر بالمفروضات، كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)(6).

فمن فرّط في الصلوات المفروضة ثم اهتمّ بصلاة التراويح كان مسيئاً، نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته.

الحواشي

  1. المجموع شرح المهذب ج4 ص 37.
  2. حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الأيضاح، ص 270. وراجع نقل الإجماع أيضاً في: البحر الرائق ج3 ص 321، بداية المجتهد ج1 ص 167، وكفاية الأخيار، ص 89.
  3. أخرجه مالك في الموطأ برقم 249، ومسلم في صحيحه برقم 1816، وأبو داود برقم 1373، والترمذي برقم 808 وغيرهم.
  4. أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم 7748 .
  5. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 93-94، دار المعرفة .
  6. أخرجه البخاري برقم 6502، وابن حبان في صحيحه برقم 347، والبزار في مسنده برقم 8750.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الاعتــكاف عـــن الميّـت

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

والدي نذر أن يعكتف في مسجدنا في الحي، ثم لم يعتكف حتى مات، فهل يجوز لي أن أعتكف نيابة عنه لأوفي له بنذره؟.

جواب فضيلة الشيخ

اختلف العلماء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر عن الميت على أربعة أقوال:

القول الأول: أنه يجوز القضاء عن الميت، والذي يقضي عنه هو وليه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ورواية عن الإمام الشافعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، والحسن بن حي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس والحكم، وقول ابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم (1).

القول الثاني: أنه لا يصحّ أن يعتكف عنه غيره، لا وليه ولا أجنبي عنه، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مشهور المذهب ونصوص الشافعي، وقول محكي عن الحنابلة، وهؤلاء منهم من أمر بالإطعام عنه لو أوصى بذلك ، ومنهم من أوجب الإطعام عنه وإنْ لم يوصِ بذلك(2).

القول الثالث: أنه يجب على وليه القضاء عنه بنفسه أو باستئجار غيره، وهو قول الظاهرية، وقد قال ابن حزم رحمه الله في المحلى : ” ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه لا بد من ذلك”(3).

القول الرابع: الترتيب بين الإطعام والقضاء، وكلاهما جائز، والأَوْلَى الإطعام، فإن لم يجدْ؛ اعتكف عنه. وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي رحمهما الله تعالى.

قال الثوري رحمه الله: ” الإطعام عنه أحبّ إليّ من أن يعتكف عنه”.

وقال الأوزاعي رحمه الله: ” يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم”(4).

والراجح هو القول بصحة القضاء عن الميت وجواز ذلك، لظهور أدلتهم وقوتها، ومن الأدلة الظاهرة على ذلك:

1ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ : ” إنّ أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال ﷺ: ( أقضه عنها )(5). وهو عام في كل نذر طاعة.

2ـ حديث الصحيحين أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ” يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : ( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم. فقال ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى)(6) .

وحديث البخاري أن امرأة جاءت إليه ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال ﷺ: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ ألست قاضيه؟) قالت : نعم. فقال ﷺ: ( فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(7).

والدلالة على جواز القضاء عن الميت من وجهين:

الوجه الأول: قوله ﷺ في الخبر الأول: ( فدين الله أحق بالقضاء ) وقوله في الخبر الثاني ( فالله أحق بالوفاء) دليل على أنّ حقوق الله من العبادات الواجبة تُقضَى، ودين الله عام في سائر الحج والصوم والاعتكاف.

الوجه الثاني: أنه لا فرق بين قضاء الصوم عن الميت ـ كما في الحديث الأول ـ وقضاء الحج عنه ـ كما في الحديث الثاني ـ وبين قضاء الاعتكاف، لأنها جميعاً من العبادات العينية، فلزم قياس الاعتكاف على الصوم والحج في قضائه عن الميت.

3ـ حديث عائشة أن النبي ﷺ قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (8).

وهذا صريح في صحة قضاء الوليّ عن الميت الصيام الواجب، فيقاس عليه قضاء الاعتكاف الواجب عنه لكونهما عبادة عينية. ويؤكد صحة إلحاق الاعتكاف ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: ” هذا في النذر” (9).

4ـ ما روي عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أُمَّهُ نَذَرَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ” اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّك” (10).

5ـ ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات(11).

أما ما روي عن ابن عباس وابن عمر : ” لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد”(12) فهو مخالف للصريح الصحيح من قول النبي ﷺ: ( ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه). ولأن ابن عباس قد روي عنه أن مذهبه وما أفتى به صحة قضاء الاعتكاف عن الميت. وكذلك حديث عائشة في سنن البيهقي الكبرى(13): ( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم) لأنه ضعيف جداً لا يحتج بمثله أبداً(14). ولأنه مخالف لما روي عنها أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.

والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: المغني مع الشرح الكبير، ج3 ص 93 – 94، كشاف القناع، ج2 ص 335 – 336، الإنصاف للمرداوي، ج3 ص 339 ـ 340، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 394، المحلى بالآثار لابن حزم، ج3 ص 433، المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 93 – 94.
  2. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 118، المدونة الكبى ج1 ص 338، المجموع شرح المهذب ج6 ص 394، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 339.
  3. المحلى بالآثار لابن حزم، ج3 ص 432 الفقرة رقم 635.
  4. راجع قولهما في المحلى ج3 ص 433.
  5. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2461 ومسلم في صحيحه برقم 1638.
  6. البخاري في صحيحه برقم 1953، ومسلم برقم 2750 .
  7. أخرجه البخاري برقم 1852، وبرقم 6699، و7315.
  8. أخرجه البخاري برقم 1952، ومسلم برقم 2748، وأبو داود برقم 2402.
  9. سنن أبي داود، ج2 ص 289 .
  10. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9787.
  11. المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 94، برقم 9788. وفيه عامر بن مصعب وقد وثقه ابن حبان راجع التقريب ج1 ص 389.
  12. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 669، عن ابن عمر رضي الله عنهما، والسنن الكبرى للنسائي برقم 2930، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
  13. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8021.
  14. راجع فتح الباري ج4 ص 194.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

كبر الهلال وصغره في أول الشهر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

كثيراً ما يختلف الناس في أول يوم من رمضان عند الإفطار وفي مآنسهم حين يشاهدون الهلال فيرونه كبيراً، فيذهب بعضهم إلى تخطئة علماء المجمع، وبعضهم إلى تصويبهم، وغالبيتهم يحكّمون الهلال بمقدار كبره وصغره، فيظن بعضهم أنهم قد أفطروا يوماً من رمضان، فيشكون في صحة الشهر، وهكذا.. نرجو توضيح هذه المسألة، وهل كبر الهلال وصغره له تأثير على ثبوت الشهر وصحة صيام الناس؟ أجيبونا نفع الله بعلمكم.

جواب فضيلة الشيخ

إنّ كبر الهلال وصغره ليس دليلاً على تقدّم ثبوته أو تأخره، لأنّ الهلال قد يكون مولوداً قبل أكثر من ثلاثين ساعة، ولكنه في ليلة التحري لم يكن في المقدور رؤيته بصرياً ولذلك ظهر كبيراً يوهم أن صيام من تأخر خطأٌ ومن سبق صوابٌ!!..

وحقيقة الأمر علمياً وفلكياً: أنّ الاقتران المركزي للقمر يكون قد تمّ في ساعة معينة، وذلك بأن يصبح مركز كلٍّ من الشمس والأرض والقمر على خط واحد، ويسمى ذلك بالاقتران أو المحاق، لانمحاق رؤية أي جزء من القمر في هذه الساعة، حتى ينحرف القمر قليلاً فتنعكس أشعة الشمس عليها فيُرى لأهل الأرض، ولحظة إمكان رؤية القمر يكون ميلاد الهلال الشرعي، بينما يكون القمر قد وُلد منذ لحظة الاقتران، فيكبر حجمه وسمكه بقدر مكثه بعد الاقتران إلى حين رؤية الناس له في الأرض.

فربما تم الاقتران في الثامنة نهار يوم الأحد مثلاً، ثم يغيب قبل غروب الشمس، فلا يرى إلا بعد غروب شمس يوم الاثنين في السابعة مساءً على سبيل المثال، فيكون عمر القمر حتى رؤي في مساء يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان عند الإفطار قد بلغ سبعاً وأربعين (47)ساعة تقريباً، وهذا الهلال بلا شك سيظهر للناس كبيراً.

وربما تمّ الاقتران في الثالثة قبل فجر الاثنين مثلاً ثم ظهر للرائين بُعيد غروب شمس الثلاثاء، فرُؤي الهلال في بعض المناطق، فيكون عمره عند رؤيته ست عشرة ساعة (16) فلا شك أنه سيُرى أصغر حجماً وسُمكاً منه في الحالة الأولى، وهكذا..

وقد عبّر بعض أئمة الفقه السابقين لهذا العصر عن هذه الحالات[ حالة الاقتران، وحالة المكوث، وحالة الظهور] بثلاثة مصطلحات: فسمّوا الاقتران بالاجتماع، وظهور الهلال للرؤية بالاستهلال، وما بين الاقتران والرؤية بالاستسرار، وهو الذي عرف من ابن تيمية والقرافي والسبكي رحمهم الله تعالى(1).

وقد اكّدوا أنّ فترة الاستسرار ـ أي مكوث القمر في الفضاء بعد الاقتران حتى الرؤية ـ قد يكون لليلةٍ أو ليلتين. ولا شكّ أنّ مدة الليلتين قد تبلغ أكثر من أربعين ساعة، مما يقضي بظهور الهلال كبيراً للرائين.

هذا تفسير ما يجعل الهلال في مغرب اليوم الأول من رمضان يُرى كبيراً أو صغيراً..

ولهذا؛ فإنّ كبر حجم الهلال وصغره لا يعتبر دليلاً على تقدم الشهر أو تأخره.

ومثل الذي يقع للناس اليوم من الشكّ بسبب كبر الهلال وصغره؛ وقع للمسلمين في القرون الخيرة الأولى، وقد ترجم الإمام النووي رحمه الله باباً في صحيح مسلم بقوله: (بَيَانِ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِكِبَرِ الْهِلاَلِ وَصِغَرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ ). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى الْبَخْتَرِىِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ قَالَ : تَرَاءَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ قَالَ فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ أَىَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ »(2).. وفي معجم الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ )(3). ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ، وَأَنْ يُرَى الْهِلالُ لِلَيْلَةٍ، فَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ) (4).

وعليه: فصحة الصوم لرمضان بصحة ثبوت الشهر شرعاً، ولما تمّ التحري من ولاة الأمر من الأمراء والعلماء بالطرق العلمية والشرعية، فقد ثبت بذلك الشهر شرعاً، فيصح صوم الناس. فلا ينبغي أن يشوّش بعضنا على بعض ويدخل الشكّ في هذه العبادة العظيمة المرتبطة بهذا الشهر الفضيل المليء بالخير والبركة والرحمة والغفران، فالتفرغ لاغتنام خيراته التعرض لنفحاته هو الأولى بالصائمين، ومسؤولية إثبات الشهر أمانة قد تولاها العلماء والأمراء، نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى محابه ومراضيه، وأن يعننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأن يقبل منا صيامنا وقيامنا، وهو أكرم الأكرمين.

الحواشي

  1. لابن تيمية رسالة في الهلال، وفصل الطريق إلى معرفة رؤية الهلال، وللقرافي رسالة في كتاب سماه ( اليواقيت في أحكام المواقيت) وللسبكي رسالة بعنوان ( العلم المنشور في إثبات الشهور).
  2. صحيح مسلم برقم 2581 ج3 ص 127.
  3. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 10299وابن أبي شيبة في المصنف برقم 38707. وصححه الألباني انظر الجامع الصغير وزياداته (1/1084)، وقواه السخاوي، وقال في المقاصد الحسنة (1 / 677):” وبعضها يتقوى ببعض ولما أخرج العقيلي ثانيهما في ترجمة عبد الرحمن بن يوسف قال إنه غيرمحفوظ ولا يعرف إلا به. ومن شواهده ما للبخاري في التاريخ من طريق محمد بن معمر عن عمه عن طلحة بن أبي حدرد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم( من اشراط الساعة أن يروا الهلال فيقولوا ابن ليلتين وهو ابن ليلة )اهـ .
  4. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، برقم 185، وفي الأوسط برقم 6864، وفي الصغير برقم 877. وجوّد إسناده وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ج5 ص 291 برقم 2292. قلت: ويشهد له حديث أبي البختري في صحيح مسلم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

وقت جواز الفطر للمسافر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

إذا عزمت على سفر مباح ، وتيقنت أني سأسافر ، فمتى يجوز أن آكل وأشرب ؟ هل يجوز لي أن أبدأ الفطر من البيت ؟ أم في الطائرة بعد أن تقلع ؟ أفيدونا أفادكم الله .

جواب فضيلة الشيخ

المسافر بالنسبة إلى الفطر على أحوال عديدة :

الأول : من عزم على السفر وتيقّن أنه سيسافر ، وراحلته ـ أو سيارته ـ ببابه يملك تحريكها، وقد استعدّ للخروج ، ولبس ثياب السفر؛ لمثل هذا المسافر يجوز الفطر من بيته ، لأنّه متيقّنٌ من السفر ، وقد رُوي هذا عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال محمد بن كعب : ” أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه في رمضان ، وهو يريد سفراً ، وقد رُحِلت له راحلته ، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنّة ، ثم ركب ” (1).

قال ابن العربي المالكي :”أما حديث أنس فصحيح،يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر،وهذا هو الحقّ “(2).وهو مذهب الحسن البصري والذي أقرّه الشوكاني (3).

الثاني : مَنْ عزم على السفر بطائرة على خطوط جويةلم يجرّب عليها تخلّفٌ ولا تأخّر ، فخرج من بيته ، جاز له الفطر في صالة المغادرة بعد أن يكمل إجراءات السفر المعروفة ، وتأكد له أن الطائرة ستقلع قبل الغروب، وكذلك من دخل صالة المغادرة للسفر بالقطار وقد تيقّن أنه مسافرٌ في خلال ساعات قبل غروب الشمس ، ومن باب أولى من ركب الطائرة أو القطار أو السفينة قبل التحرك والإقلاع .

وقد رُوي عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه صاحب رسول الله ﷺ أنه أراد السفر في رمضان فركب السفينة من الفسطاط ” مصر القديمة ” فدفع ثم قرب غداءه، وكان معه جعفر بن جبر ، فقال له: اقترب. فقال له جعفر:ألست ترى البيوت؟قال أبو بصرة:”أترغب عن سنّة رسول الله ﷺ”(4).

الثالث : من عزم على السفر ، ولكنه لا يملك راحلة خاصة ـ أو سيارة ـ أو لم يؤكّد الحجز ، أو حجز على خطوط جُرّبت أنها تتأخّر أحياناً وتتخلّف أحياناً ، في هذه الحالة لا يجوز الفطر إلاّ إذا خرج عن البيوت وتجاوز البلدة أو المدينة .

وهذا الذي عليه جمهور أهل الفقه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النّبي ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد(5)، ثم أفطر فأفطر الناس” (6). والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه الترمذي في كتاب الصوم باب من اكل ثم خرج يريد سفراً ، برقم 799 ، 800 ، وقال : هذا حديث حسن .
  2. عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ، لابن العربي .
  3. نيل الأوطار ، 4/229 ، الاستذكار 10/88 .
  4. أخرجه أبو داود كتاب الصوم ، باب متى يفطر المسافر برقم 2412 .
  5. الكديد عين جارية بين المدينة وعسفان .
  6. أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الصيام 1/294 ، والبخاري كتاب الصوم برقم 1944.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

حكـــم الاعتــــكاف

ما حكم الاعتكاف أصلاً، هل هو واجب على الصائم أن يعتكف أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء.

اقرأ الجواب