الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى ← فتاوى الصيام

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

الاحتجام للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

صائم احتاج إلى الحجامة والفصد ، فهل يفسد ذلك صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

الحجامة هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي لتخفيف بعض الآلام والأوجاع والأمراض(1) . وهي والفصد بمعنى واحد.

وفي حجامة الصائم ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمذاهب الفقهية المتبوعة إلى أنها لا تفسد الصوم ولا تفطر الصائم ، ومن احتجم وهو صائم صحّ صومه وبقي ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة . وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم)(2).

ولهـذا :

كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يحتجم وهو صائم .

وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر، قال عروة: “وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم”(3) .

وقال بكير عن أم علقمة : “كنا نحتجم عند عائشة فلا نُنهى”(4) .

وكان أنس يحتجم وهو صائم(5) .

وكره مالك وأبو حنيفة الحجامة إذا كانت تضعفه عن الصوم ، وهو ما روي عن أنس بن مالك .

وذهب الحنابلة وجماعة من أهل الحديث إلى أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم لحديث النبي ﷺ: ( أفطر الحاجم والمحجوم)(6). فمن احتجم صائماً فعليه القضاء .

وشذ عطاء عن جماعة العلماء فأوجب الكفارة في الاحتجام(7) .

والصحيح : مذهب الجمهور أنه لا يكره الاحتجام إلا إذا كان يضعف عن الصوم ، وأنه لا قضاء عليه ، لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيح أنه احتجم وهو صائم .

أما حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) فلم يأخذ الجمهور بظاهره لأسباب:

منها : أن الأصل في الصائم أنه لا يكون مفطراً إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها ، وهذا الحديث له معارض، وهو ما صحّ عند البخاري وغيره ؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم .

ومنها : أن حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) نسخه حديث ابن عباس ( احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم ) ، لأن الحديث الأول وقع عام الفتح، وحديث ابن عباس وقع في حجة الوداع لأن في بعض رواياته الصحيحة ( احتجم صائماً محرماً ) وابن عباس شهد معه حجة الوداع(8).

ولأنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: ( رخّص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم)(9) .

ومنها : أن الظاهر مؤول بأن المراد بقوله : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أنهما أفطرا : أي فقدا ثواب الصوم ، وكسبا أثماً ، لأنهما كانا يغتابان في صومهما(10). والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. يراجع : الطب النبوي لابن القيم ص 162 وما بعدها .
  2. أخرجه البخاري في كتاب الصوم برقم 1939 ، وأبو داود في الصيام برقم 2372 .
  3. كلاهما في الموطأ ، 298 .
  4. صحيح البخاري كتاب الصوم باب الحجامة والقيء للصائم ، 4/205 مع فتح الباري .
  5. الدار قطني : 2/182 .
  6. أخرجه أحمد 5/280 ، والحاكم 1/427 وصححاه ووافق الذهبي الحاكم في تصحيحه.
  7. راجع المذاهب والأقوال في : حاشية بن عابدين 2/98 ، المغني 3/37-39 ، الاستذكار 10/117 وما بعدها ، المجموع 6/363-366 ، مجموعة فتاوى ابن تيمية 25/252 وما بعدها ، فتح الباري 4/205-211 ، تبيين المسالك 2/158 ، كفاية الطالب الرباني 2/268 .
  8. ذكره الشافعي في كتاب اختلاف الحديث ص 197 أنه منسوخ .
  9. البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح . انظر مجمع الزوائد 3/170 .
  10. المجموع شرح المهذب 6/376-368 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

انقطاع الدم قبل أيامها المعتادة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

امرأة عادتها في الحيض أن يستمر سبعة أيام ، فانقطع الدم في اليوم الخامس، فصامت اليوم السادس فإذا بها تجد دماً في يومها السابع ، ما حكم صومها ذاك ؟.

جواب فضيلة الشيخ

إذا كانت عادتها أنها تحيض سبعة أيام لا يزيد ولا ينقص ، ولم يقع له اضطراب من قبل كثيراً ؛ في هذه الحالة تعتد بأيام حيضتها المعروفة ، لأن الأصل في ذلك كما استقرّ عند العلماء هو العرف الخاص بالمرأة وعادتها المستمرة ، ولذلك لا تعتد بمجرد الانقطاع إلاّ إذا كان الانقطاع في وقت الانقطاع ويومه .

وعليه : فالظاهر أن صومها لليوم السادس لا يجزيها عنه ، فيجب عليها قضاء الأيام السبعة المعتادة ..

والله تعالى أعلم ..

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صوم التطوع المضعف عن العمل والعبادة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

معنا في العمل أخٌ فاضل وعابد، كثير الصوم، فهو يصوم الاثنين والخميس غالباً، ويصوم الأيام البيض وغير ذلك، ولكنه عندما يكون صائماً يظهر عليه التعب الشديد، وغالباً يعتذر عن أداء أعماله الموكلة إليه، ثم إما يكون نائماً أو مستريحاً ولا يؤدي عمله كما هو مطلوب، هل صوم التطوع الذي يسبّب عدم أداء العمل صحيح؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

يجب أن يعرف هذا الأخ الفاضل أنّ عمله في وظيفته التي يشغلها واجب عليه أداؤه بالوجه المطلوب، دون تأخير شيء منه أو تأجيله أو التباطئ فيه، بينما صيام الاثنين والخميس والأيام البيض صيام تطوع لا يجب عليه، فصار حاله متعارضاً بين العمل الواجب عليه وبين الصيام غير الواجب عليه، والقاعدة أنّ الواجب لا يُترك إلا لواجب، فلا يجوز ترك الواجب لمندوب أو مستحب، ولا يجوز ترك الواجب لجائز أو مباح، كما لا يجوز ترك الواجب حتى لمكروه.

وبهذا: إذا وجد أنّ صوم التطوع يضعفه عن أداء واجباته الوظيفية، أو أعماله التي يعول بها نفسه وأهله وعياله؛ ينتقل صومه من الندب والاستحباب إلى الحرمة، لأنه منعه عن فعل واجب، فلا يجوز له أن يقصِّر في عمله الواجب بصيام التطوع.

بل ذهب الفقهاء إلى التفاضل بين صيام التطوع وبين التطوعات الأخرى التي هي أحب منه في الشرع، كالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، فهذه في مراتب الأعمال أحبّ وأعلا من صيام التطوع، وكان فقهاء الأمة من السلف والخلف يراعون الأولى فالأولى، فربما تركوا صيام التطوع إذا أضعفهم عما هو أحبّ منه.

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يقلّ من صيام التطوع من أجل الغزو والجهاد، قال أنس رضي الله عنه: « كان أبو طلحة لا يكاد يصوم ـ أي التطوع ـ على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي رسول الله ﷺ ما رأيته مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى» (1).

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقلّ من صيام التطوع من أجل الإكثار من الصلاة والذكر وتلاوة القرآن..

فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: « كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام، قال: إني إذا صمتُ ضعفتُ عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام».

وعن شقيق قال: كان عبد الله يقلّ الصوم، فذُكر ذلك له، فقال: «إني إذا صمتُ ضعفتُ عن القراءة، وتلاوة القرآن أحبّ إليّ » (2).

وقد وجّه الطحاوي خبر عائشة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من أيام العشر الأُوَل شيئاً، مع ما جاء فيه من ترغيبه ﷺ للعمل الصالح فيها فقال: « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ». يعنى أيام العشر. قالوا يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال « ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشىء»(3).. فقال الطحاوي: « يجوز أن يكون ﷺ لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم وأفضل منه من الصلاة ومن ذكر الله عز وجل وقراءة القرآن كما قد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذلك مما كان يختاره لنفسه… فيكون ما قد ذكرته عائشة عنه ﷺ من تركِه الصومَ في تلك الأيام؛ ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له، مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه، وليس ذلك بمانعٍ أحداً من الميل إلى الصوم فيها، لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل سواه والله نسأله التوفيق» اهـ(4).

ومن نصيحة العلماء في ذلك ما جاء في مختصر منهاج القاصدين: « واعلم أن من رُزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قدر ما لا يعجزه عما هو أفضل منه، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمتُ ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم، وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه »اهـ(5) .

والقاعدة في ذلك ما ذكره ابن بطال: « كل من كان صومه لا يورثه ضعفاً عن أداء فرائض الله، وعمّا هو أفضل من صومه من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيءٍ من فرائض الله؛ فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض وأضعفه عمّا هو أفضل منه من النوافل؛ فإنّ صومه مكروه» اهـ المراد نقله(6).

والله الموفق إلى الخير والصواب.

الحواشي

  1. تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري، برقم 523، ج323 ـ 324.
  2. تهذيب الآثار للطبري برقم 519، 520، 521، ج1 ص 323 -324، ابن أبي شيبة في المصنف برقم 8909، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 2018 ، 2019، وعبد الرزاق في المصنف برقم 7903، والطبراني في المعجم الكبير 8777، 8778.
  3. أبو داود برقم 2440، وأحمد في المسند برقم 1968 وصححه الأرناؤوط، وأصله في صحيح البخاري برقم 969.
  4. شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ج7 ص 419.
  5. مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة ، ص 45 ت 46.
  6. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج4 ص 121 ـ 122، وراجع هذه القاعدة المهمة لابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج25 ص 272.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

هل الأفضل صـلاة التراويح في البيت أم فـي المسجـد؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

أيهما أفضل أن أصلي التراويح في البيت منفرداً أو مع أهلي، أم أن أصليها في المسجد مع الناس؟.

جواب فضيلة الشيخ

صلاة النافلة كلها تستحب في البيت وتجوز في المسجد، تستوي في ذلك النوافل الراتبة وغيرها، إلا أن النوافل على ثلاثة أقسام بها الاعتبار(1):

القسم الأول: ما يكون الأولى أداؤها في خفاء وانفراد، ويستحب أداؤها في البيت، وهي أغلب النوافل الراتبة وغير الراتبة.

القسم الثاني: ما لا يتأتى في غير المسجد، كتحية المسجد، ومنه ما يندب كونه في المسجد الحرام، وهو ركعتا الطواف.

والقسم الثالث: ما يعتبر من الشعائر الظاهرة التي يستحب إظهارها وإعلانها وأداؤها في جماعة، وهي: صلاة العيدين، وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستسقاء.

وعلى هذا: فأين تكون صلاة التراويح من هذه الأقسام الثلاثة؟

ذهب بعض الفقهاء إلى ضمّ صلاة التراويح مع نوافل القسم الثالث فجعلوها من الشعائر الظاهرة التي يستحب أداؤها في المسجد جماعة، وهو الذي صرّح به النووي رحمه الله، وقد قال: ” باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، سواء في هذا الراتبة وغيرها، إلا الشعائر الظاهرة وهي العيد، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح..”(2).

وجعلها الشيخ صديق حسن خان من الشعائر الظاهرة على الأصحّ أي في المذهب الشافعي، وعلى هذا؛ ففي المذهب الشافعي قول آخر صحيح بأنها ليست من الشعائر الظاهرة(3).

ثم اختلف الفقهاء في الأفضل؛ هل صلاتها في البيت على انفرادٍ أم في جماعة بالمسجد؟ على ستة أقوال:

القول الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو أنّ الأفضل أداؤها في المسجد جماعة، قال بهذا: أبو حنيفة والشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وبعض المالكية، فقالوا: ” الأفضل صلاتها جماعة في المسجد كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد”(4).

القول الثاني: ما ذهب إليه الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف وبعض الشافعية، فقالوا: الأفضل فرادى في البيت.

ـ قال مالك: ” قيام رمضان في البيت لمن قوي عليه أحبّ إليّ”(5).

ـ وقال الشافعي رحمه الله : ” فأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه”(6).

ـ وقال أبو يوسف: “من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان فأحب إلي أن يصلي في بيته”(7).

ـ وهو المحكيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه(8).

واستدل هؤلاء بقوله ﷺ : « صَلاَةُ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِى هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ »(9)، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا )(10).

القول الثالث: ما ذهب إليه الحنفية فقالوا: صلاة التراويح جماعة في المسجد سنة على الكفاية، حتى لو أقامها البعض في المسجد بجماعة وباقي أهل البلدة منفرداً في بيته لا يكون تاركاً للسنة”، وحجتهم في ذلك ما يروى عن أفراد الصحابة والتابعين تخلفهم عن جماعة التراويح، يروى ذلك عن ابن عمر وعروة وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع فدلّ فعلُ هؤلاء أن الجماعة في المسجد سنة على سبيل الكفاية إذ لا يظن بابن عمر رضي الله عنهما ومن تبعه تَرك السنة”(11)، قالوا: ولو ترك أهل المسجد كلهم إقامتها في المسجد بجماعة فقد أساءوا وأثموا(12).

القول الرابع: ما ذهب إليه الطحاوي، قال النووي والحافظ ابن حجر: ” وبالغ الطحاوي فقال: صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية”(13). وقريب من هذا يروى عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: ” التراويح سنّة لا يجوز تركها”.

ووجّه السبكي قول الطحاوي بالوجوب الكفائي فقال: “لأنهم قد أجمعوا على أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان “(14).وهو توجيه حسن.

القول الخامس: ما ذهب إليه العترة ” آل البيت” فقالوا: الجماعة فيها بدعة(15).

القول السادس: التفصيل، حيث يرى أصحاب هذا القول أنّ صلاتها في البيت أفضل في حالة، وفي المسجد أفضل في حالة، وهذا مذهب المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنفية.

قال المالكية: الجماعة مستحبة، لاستمرار العمل على الجمع من زمن عمر رضي الله عنه، والانفراد فيها طلباً للسلامة من الرياء أفضل، بثلاثة شروط:

1ـ أن لا تُعطّل المساجد، فإن خيف من الانفراد بالتراويح التعطيل فالمساجد أفضل.

2ـ أن ينشط لفعلها في بيته، وإلا ففعلها في المسجد أفضل.

3ـ أن لا يكون فاعلها آفاقياً(16) بالمدينة المنورة، فإن كان آفاقياً ففعلها في المسجد أفضل، وإنْ لم تعطل المساجد.

قال بعض الشافعية: يكون أداؤها في البيت أفضل إذا كان الرجل يحفظ القرآن، ولا يخاف النوم والكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه(17).

فبعض الحنفية: فرّقوا بين الفقيه الذي يقتدى به وبين غيره من عامة المصلين، فقالوا: “تستحب في البيت إلا لفقيه عظيم يقتدى به، فيكون في حضوره ترغيب غيره”(18).

وفي الجوهرة النيرة للزبيدي: “من كان يحسن القراءة فالأفضل أن يصليها في بيته عند أبي حنيفة، وعند محمد في المسجد أفضل، وعند أبي يوسف إن قدر أن يصليها في بيته كما يصليها مع الإمام في المسجد فالأفضل أن يصليها في بيته ، وأما إذا كان ممن يُقتدى به وتكثر الجماعة بحضوره وتقل عند غيبته؛ فإنه لا ينبغي له ترك الجماعة”(19) .

والراجح:

مع جواز أدائها في البيت بحيث مَنْ أدّاها منفرداً أو مجتمِعاً في البيت لا يكون مسيئاً، إلاّ أنّ أداءها في المسجد جماعة هو الأفضل، وذلك لوجهين:

أولهما: أنه من فعل النبي ﷺ وسنته، حيث اجتمع له الناس فصلى بهم ليلتين أو ثلاث جماعة، وما تركها إلا خشية أن تفرض عليهم، وما خشاه النبي عليه الصلاة والسلام غير وارد بعد وفاته ﷺ.

والوجه الثاني: أنّ أداءها جماعة في المسجد هو سنّة جماعة المسلمين، فهو الذي استحبه الصحابة ووافقوا عليه سيدنا عمر ، حتى إنّ علياً رضي الله عنه صار يدعو لعمر بذلك كما ورد عنه أنه مرّ علَى المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان، فقال: ” نور الله على عمر قبره، كما نور علينا مساجدنا” (20) ، وهو الذي سار عليه التابعون لهم بإحسان، وهو الذي اختاره الأئمة الأربعة وأصحابهم، وهو الذي استمر عليه العمل، أنْ تؤدَّى صلاة التراويح في المساجد.

الحواشي

  1. راجع: السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج، للشيخ صديق حسن خان القنوجي، نشر الشؤون الدينية قطر، ج3 ص 40.
  2. السراج الوهاج نفسه.
  3. راجع: السراج الوهاج، ج3 ص 42-43.
  4. شرح النووي لصحيح مسلم ، ج3 ص 101، نيل الأوطار للشوكاني، ج3 ص 59. ومشكاة المصابيح ج4 ص 628، المغني لابن قدامة، ج3 ص 390.
  5. حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، للشاشي الفقال ج2 ص 44.
  6. كتاب الأم للشافعي ، ج1 ص 142، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي، ج2 ص 290.
  7. المصدر نفسه.
  8. الشرح الكبير للرافعي، ج4 ص 268.
  9. المصادر السابقة نفسها، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم 731، وبرقم 6113، ومسلم برقم 1861، وأبو داود برقم 1046.
  10. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1857، والترمذي برقم 451.
  11. بدائع االصنائع للكاساني ج2 ص 145، المبسوط للسرخسي ج3 ص 174.
  12. بدائع الصنائع ج2 ص 145.
  13. شرح النووي على صحيح مسلم ج3 ص 101، نيل الأوطار ج3 ص 59، مشكاة المصابيح ج4 ص 628 .
  14. فتاوى السبكي ، ج1 ص 156.
  15. نيل الأوطار ، ج3 ص 59.
  16. الآفاقي: يقصد به من يسكن خارج الحرم المكي أو الحرم المدني، من أهل البادية وغيرهم، وهنا المقصود الحرم المدني.
  17. الشرح الكبير للرافعي، ج4 ص 268.
  18. حاشية ابن عابدين، ج2 ص 46.
  19. الجوهرة النيرة للزبيدي، ج1 ص 384 .
  20. راجعه في: المغني لابن قدامة ، ج3 ص 391 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيء للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

هل القيء يفسد الصوم ويوجب القضاء ؟

جواب فضيلة الشيخ

الأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء )(1) . وفي رواية الترمذي: (ومن استقاء عمداً فليقض )(2) .

[1] أخذ عامة أهل العلم بهذا الحديث فقالوا : من ذرعه القيء وغلبه وخرج دون إرادته ؛ فلا شيء عليه وصومه صحيح(3) .

[2] من ذرعه القيء ولكن رجع منه شيء إلى حلقه بعد وصوله إلى فمه، عليه القضاء عند المالكية(4) .

[3] من استقاء عمداً فسد صومه باتفاقهم، وقد نقل الإجماع ابن المنذر فقال:”وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً”(5). ويلزمه القضاء عند عامة الفقهاء لصريح قوله ﷺ: ( ومن استقاء فعليه القضاء). وقد اختلف قول المالكية في حكم القضاء هل على الوجوب أم على الاستحباب؟.

فذهب الأبهري منهم إلى أنه على الاستحباب.

وذهب جمهور أهل المذهب إلى أنه على الوجوب، وهو قول الحنفية والشافعية وغيرهم. وهو الصحيح الذي جاء نصّ الحديث به: ( ومن استقاء فعليه القضاء).

وفرّق بعض المالكية بين المستقيء والمستقيء عامداً، فألزموا المستقيء عامداً بالكفارة مع القضاء وهو قول ابن الماجشون والأبهري والقاضي عبد الوهاب، ولعلهم أعملوا الروايتين: رواية أحمد وأبي داود بلفظ: ( … ومن استقاء فعليه القضاء) ورواية الترمذي: (.. ومن استقاء عمداً فعليه القضاء) غير أنّ ابن العربي أبطل هذا القول، رحمهم الله تعالى جميعاً(6).

[4] إذا قاء وهو صائم صوم تطوع فإن القيء يفطره إذا ضعف بسببه عن مواصلة الصوم ، ولا قضاء عليه ، لحديث أبي الدرداء : ( أن النبي ﷺ قاء فأفطر)(7) حيث حمله الجمهور على صيام التطوع .

الحواشي

  1. أخرجه أحمد في المسند 2/498 وأبو داود في كتاب الصوم برقم (2380) . ومعنى ذرعه : غلبه وسبقه دون إرادة منه وقصد.
  2. سنن الترمذي : كتاب الصوم برقم (720) وحسنه .
  3. وخالف ربيعة والحسن وقالا: إنه مفطر. انظر بداية المجتهد 2/156، والإجماع لابن المنذر، ص 15، المسألة (125) .
  4. الشرح الصغير 1/698 ، كفاية الطالب 2/269 .
  5. الإجماع لابن المنذر ، ص 15 ، المسألة رقم (126) .
  6. راجع بتوسع: المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 225.
  7. أبو داود برقم 2381 . وخالف طاووس فقال لا يفطر بداية المجتهد 2/157.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصيام بنزول الدّم دفقةً واحدةً ولأوّل مرّة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

ابنتي في الصف السادس مرحلة الأساس وهي في عمر الثانية عشرة، وقبل أربعة أشهر نزل منها دم دفقة واحدة ولمرة واحدة، وإلى الآن ما عاد ولا تكرر، فهل هذا يعتبر حيضاً؟ وهل بلغت بذلك ووجب عليها أن تصوم رمضان ؟.

جواب فضيلة الشيخ

خروج الدم من رحم الفتاة في سنين المراهقة التي هي من تسع سنين إلى ثلاث عشرة سنة يُحمل على أنه حيض، والحيض هو أصدق علامات البلوغ والتكليف في الأنثى، غير أنّ الفقهاء ذهبوا في اعتبار الدفقة الواحدة حيضاً أو لا إلى قولين:

الأول: مذهب الجمهور(1) الذي يرى أن الدفقة الواحدة ليست حيضاً، فأقلّ الحيض عند الحنفية ثلاثة أيام بلياليها، وعند جماهير الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة أقلّ الحيض يومٌ وليلة. ولذلك لا تعتبر عندهم جميعاً الدفقة الواحدة حيضاً يرتّب أثره في ترك الصلاة والصيام ومسّ المصحف ونحوه.

رضي الله عنهم وقد استدلّ الحنفية على أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها بجملة أحاديث أقواها حديث أبي أماة رضي الله عنه أن النبي ﷺقال: (أقلّ الحيض ثلاث، وأكثره عشر). وبحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام). وبخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة). وبحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺيقول: ( لا حيض دون ثلاثة أيام ولا فوق عشرة أيام).

وهذه الأحاديث كلها مردودة لا يصح بها احتجاج، فهي إما ضعيف أو موضوع(2).

رضي الله عنهم واستدل الشافعية والحنابلة بالعرف والعادة بأن حيض معتاد يومٌ، وبقول عطاء رحمه الله: « رأيت من النساء من تحيض يوماً ». وبقول الأوزاعي رحمه الله : « عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً ». وبقول الشافعي رحمه الله: « رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً ولا تزيد عليه » (3).

والثاني: مذهب المالكية وقد ذهبوا إلى أنّ الدفقة الواحدة حيض، إذ لا حدّ لأقلّ الحيض عندهم. واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم (4).

وقد استدلوا بأدلة منها:

1ـ قوله تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾[البقرة : 222]. ووجه الدلالة أن الحيض إذا وُجد وجب الاعتزال، ووجوده مطلق عن زمان ومقدار.

2ـ أن القول بتحديد قدره وزمانه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وكل ما أورده من حدّد أقلّه بيوم أو يومين أو ثلاثة لم يثبت شيء منه. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «.. ولم يأت عن الله ورسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحدٍّ أبداً، ولا في القياس ما يقتضيه » (5).

وكما قال ابن تيمية رحمه الله: « اسم الحيض علّق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدّر لا أقلّه ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرّق بين قدر وقدر، فمن قدّر في ذلك حدّاً؛ فقد خالف الكتاب والسنة »(6).

3ـ أن النبي ﷺحدّد صفة دم الحيض ولم يحدّد مقداره ولا أقلّه فقال : (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة..)(7). فإذا وُجد هذا الدم بهذه الصفة؛ وجب الإمساك عن الصلاة وتركها، ولو كان دفقة أو دفعة.

وهذا هو الراجح من المذهبين.

وعليه:

أولاً: ما ذكرتيه مما وقع لابنتك من نزول دفقة واحدة؛ فهذا حيضٌ، ما دام عرفت أنه دم حيض، وما دام خرج في سنٍّ تبلغ فيها البنت غالباً، إذ عمرها ـ كما ذكرتِ ـ اثنتا عشرة سنة. وقد سألت طبيبة استشارية في طبّ النساء والتوليد حاذقة فيه عن هذه الحالة فأكدت أنه حيضٌ.

وطالما حاضت، فقد بلغت سن البلوغ والتكليف. فوجب عليها أن تصوم رمضان.

ثانياً: إنْ كانت البنت قليلة البنية صغيرة في مظهرها يبدو عليها الضعف، مما يجعل أمها تُشفق عليها؛ فهذا يوجب على الأم أن ترعاها ليالي رمضان وأيامه، ففي الليالي تهتمّ بتغذيتها جيداً ومتابعة أكلها وشربها، وبالنهار تتابع راحتها، وغير ذلك مما يعينها على اعتياد الصوم والحفاظ عليه.

ثالثاً: كون هذا الدمّ خرج مرة واحدة وانقطع أربعة أشهر؛ فهذا جائز واقع في عادات النساء، خاصة في المبتدئات، فمنهن من ينقطع حيضها بعد الخروج الأول شهرين ثم ينتظم، ومنهن من ينقطع ثلاثة أشهر ثم ينتظم، ومنهن من يتأخّر حيضها عن المرة الأولى ستة أشهر ثم ينتظم، وهكذا. فهذا الانقطاع لا يغيّر حقيقة أن ما خرج منها دم حيض. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: حاشية ابن عابدين ج1 ص 284، والاختيار لتعليل المختار ج1 ص 26، والمبسوط ج3 ص 147، شرح فتح القدير ج1 ص 160. والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 388، وكشاف القناع ج1 ص 203، والأم للشافعي ج1 ص 64، والمجموع شرح المهذب ج2 ص 402. وانظر: كتاب الحيض والنفاس ج1 ص 133 وما بعدها.
  2. الحديث الأول أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 7465، في سنده مجهول هو عبد الملك، ومتروك هو العلاء بن كثير، ومع ذلك سنده مقطوع بين مكحول وأبي أمامة. وبهذا يكون الحديث ضعيفاً جداً. والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني برقم 847، وقال(1/406): حماد بن منهال مجهول ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف. ففي سنده مجهول هو ابن المنهال، وضعيف هو محمد بن أحمد الشامي، والسند منقطع بين مكحول وواثلة. فالحديث بهذا ضعيف جداً.والحديث الثالث: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج3 ص 127. وفي سنده الحسن بن دينار متروك عند أئمة الحديث كابن مهدي وابن المبارك ووكيع ويحيى وأبي حاتم، وكذّبه أبو خيثمة، وحتى ابن حبان اتهمه بالوضع. فالحديث أقرب إلى الوضع.والحديث الرابع: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج6 ص 141. وفيه محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب زنديق يضع الأحاديث، كما قال أحمد وابن صالح المصري. ويراجع بتفصيل كتاب: الحيض والنفاس رواية ودراية، لأبي عمر دبيان الدبيان، ج1 ص 133 وما بعدها.
  3. كتاب الأم للشافعي ج1 ص 64، والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 389.
  4. راجع: المدونة ج1 ص 152، والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي ص 31، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج1 ص 237، الشرح الصغير ج1 ص 208. مجموع فتاوى ابن تيمية ج19ص 237، أعلام الموقعين ج1 ص 297.
  5. أعلام الموقعين ج1 ص 297.
  6. مجموع فتاوى ابن تيمية، ج19 ص 237.
  7. أخرجه أبو داود برقم 304، والنسائي برقم 215، وابن حبان برقم 1348، والدارقطني برقم 791. وقال الألباني في إسناد النسائي (1/123):حسن صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط عن إسناد ابن حبان (4/180): إسناده حسن رجاله رجال الشيخين.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصيام والإفطار الجماعي

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

نحن جماعةُ شبابٍ من الأصدقاء، رأينا أننا لو اتخذنا بعض البرامج التي تشجعنا على الطاعة والعبادة والذكر سيكون خيراً لنا في التعوّد على بعض العبادات، فكنا نتفق أن نصوم ونفطر جماعة كلّ اثنين أو كلّ خميس، وفي بعض المناسبات الأخرى كالعشر الأوائل من ذي الحجة، وعاشوراء، فأنكر علينا بعضهم بأنّ هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ في الدين. فهل مثل هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ محرمة؟ أفيدونا يرحمكم الله!.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: البدعة لا تتحقق إلا إذا كانت في أمر عقديّ أو تعبّديّ منقطع عن أصل شرعي، والأصل الشرعي قد يكون دليلاً صريحاً، وقد يكون قياساً صحيحاً ، أو قد يكون تخريجاً مقبولاً على شبيهٍ أو نظير في الفقه، وقد يكون مما له وجهٌ شرعيٌّ أقر مثله أئمة الدين من العلماء المهديين.

والصيام الإفطار الجماعي في غير رمضان، له من الأصول والوجوه الشرعية التي تحررها وتخرجها من حظيرة البدعة الممنوعة إلى ساحة الأمور والأفعال المشروعة، ومن ذلك:

1ـ أنّ الصيام والإفطار الجماعي من قبيل الجماعة في النوافل، والاجتماع على فعل النوافل وأدائها جائزٌ..

فنوافل الحجّ لا تؤدّى إلا جماعةً لاتحاد المناسك وترتيبها في الوقت .

ونوافل الصلاة جاز أداؤها جماعة، وقد قال مالك رحمه الله: « لا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهاراً » (1). وفي تهذيب المدونة للبراذعي: «وجائز صلاة النافلة في جماعة ليلاً أو نهاراً، ويجمعها الرجل بأهل بيته وغيرهم»(2).

واجتماع جماعة لقراءة القرآن يقرأ أحدهم يتلوه غيره فيتناوبون، لا بأس به (3). وفي صحيح مسلم في باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) (4).

والاجتماع للذكر جائز بل مستحب، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلّ عنه حديثاً منى، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ( ما أجلسكم؟ ). قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: ( آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ ). قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: ( أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ يباهي بكم الملائكة) (5).

ونوافل الصوم مثلها جاز الاجتماع فيها والتعاهد عليها.

2ـ ورد عن النبي ﷺ بفعله جواز الجماعة في النافلة.

ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعامٍ صنعته، فأكل منه ثم قال: ( قوموا فأصلي لكم ). قال أنس بن مالك: «فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحته بماءٍ، فقام عليه رسول الله ﷺ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف »(6).

وعند ابن حبان، قال أنس رضي الله عنه : صلى بنا رسول الله ﷺ على بساطٍ، فأقامني عن يمينه، وقامت أم سليم وأم حرام خلفنا(7).

وعند أبي داود سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر فقال: (ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه، فإنى صائم). ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا » (8).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ » (9).

قال البيهقي بعد أن روايته لهذا الخبر: « وقد روينا في قيام شهر رمضان عن عائشة وغيرها ما دلّ على جواز النافلة بالجماعة، وعن أبى ذر عن النبي ﷺ ما دلَّ على استحبابها. وعن ابن مسعود وحذيفة في قيامهما مع النبي ﷺ ما دلَّ على ذلك. وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فعله ما دلَّ على ذلك وبالله التوفيق »(10).

فكلّ هذا من الأصول الدالّة على جواز الاجتماع على الطاعات والعبادات، ومنها الصيام والإفطار الجماعي.

ثانياً: غير أنّ هذا الجواز مشروط بشرطين:

الشرط الأول: أنْ لا يتخذوا ذلك عادةً راتبةً، بحيث لا يصومون هذه النوافل إلا جماعة، التزاماً وتخصيصاً للنافلة بالزمان والاجتماع، فهذا الترتيب يجعل النافلة كالفريضة أو السنة المؤكدة التي لا تؤدَّى إلاّ بالجماعة، كصلاة التراويح والعيدين وصلاة الكسوف ونحوها،وفي هذا تبديل وتغيير لها عن حقيقتها(11).

الشرط الثاني: أنْ لا تكون الجماعة المنتظمة لهذه النافلة كبيرة، كالتزام أهل بلدة كلهم، أو أهل حيّ جميعهم بذلك، فهذا يجعل النافلة شبيهة بالواجبات ملحقة بها، كما يفعل كثير من أهل البلاد الإسلامية في صيام الست من شوال ونحوه. إذ الأصل في النوافل التخفّي وعدم الإشهار، بخلاف العبادات الواجبة والسنن المؤكدة التي جعلت من الشعائر الظاهرة(12).

أقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

الحواشي

  1. التاج والإكليل،ج2 ص 109.
  2. التهذيب في اختصار المدونة ، لأبي سعيد البراذعي، ص 101.
  3. حاشية الدسوقي ج3 ص 163.
  4. صحيح مسلم برقم 7028 .
  5. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 7032 .
  6. صحيح مسلم باب جواز الجماعة في النوافلة، برقم 1531.
  7. ابن حبان في صحيحه برقم 2207، وقال شعيب الأرناؤوط (ج5 ص 584): حديث صحيح. إسناده ضعيف. عمر بن موسى الحادي: ذكره المؤلف في “ثقاته” 8/445-446، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن عدي في “الكامل” 5/1710: ضعيف يسرق الحديث، ويخالف في الأسانيد، وقال ابن نقطة في “الاستدراك” 1/96/2: بصري يعد في الضعفاء. ولم ينفرد به، فقد تابعه عليه موسى بن إسماعيل عند أبي داود “608” في الصلاة: باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، عن حماد، به. وهذا سند صحيح. وأخرجه الطيالسي “2027” ، ومن طريقه أبو عوانة 2/76، 77، وأخرجه مسلم “660” في المساجد: باب جواز الجماعة في النافلة، من طريق هاشم بن القاسم، والنسائي 2/86 في الإمامة: باب إذا كانوا رجلين وامرأتين، من طريق عبد الله بن المبارك، ثلاثتهم عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به.
  8. سنن أبي داود برقم 608.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 5124.
  10. السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 54 .
  11. قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23/132 ـ 134): ” الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان: أحدهما : سنة راتبة ، إما واجب وإما مستحب ، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ، فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة .والثاني : ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل ، أو على قراءة قرآن ، أو ذكر الله ، أو دعاء ، فهذا لا بأس به إذا لم يُتَّخَذ عادة راتبة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى التطوع في جماعة أحيانا ولم يُداوم عليه إلا ما ذُكِر ، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمَرُوا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون … فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوّع من غير أن يتّخِذوا ذلك عادة راتبة تُشبِه السنة الراتبة لم يُكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ، ولو ساغ ذلك لساغ أن يُعمل صلاة أخرى وقت الضحى ، أو بين الظهر والعصر ، أو تراويح في شعبان..” اهـ المراد نقله.
  12. يراجع: الموافقات للشاطبي ج3 ص 264 ـ267.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اشتـراط الأئمــة الأجــرة للصَّــلاة بالنَّـاس

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

عندما يدخل رمضان يتنافس الناس على حفاظ القرآن وكثيرٌ من هؤلاء الحفاظ يحدد أجرة ويطالب بمبالغ أحياناً تكون كبيرة للصلاة بالناس التراويح بختمة، وبعضهم يتفق مع المصلين في أكثر من مسجد، فيصلي بهؤلاء ركعتين أو أربع، وبأولئك في المسجد الثاني ركعتين أو أربع وهكذا يتنقل في الليلة الواحدة بين أكثر من مسجد ويؤم المصلين بها، فهل هذا يصح؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: هذه المسألة في الجملة هي من مسألة أخذ الأجرة على الإمامة والأذان وسائر الطاعات، وقد منع منها الحنفية والحنابلة، وأجازها المالكية والشافعية.

واستدل المجوّزون بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: ( إنّ أحقّ ما أخذتم عليه كتاب الله )(1). وقالوا: هو عام في جواز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى بالتعليم وغيره. وبما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: ( ألقَى عليّ رسول الله ﷺ ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة )(2).

ووجه الدلالة أن النبي ﷺكافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان والإمامة وغيرهما من الطاعات.

واستدلّ المانعون بحديث المثنى بن وائل قال: أتيت عبد الله بن بشر فمسح رأسي ووضعت يدي على ذراعه فسأله رجل عن أجر المعلم؟ ـ أي معلم القرآن ـ فقال: ” دخل علَى رسول الله ﷺ رجل متنكب قوساً فأعجبت النبي ﷺ فقال: (ما أجود قوسك! أشتريتها؟) قال: لا ولكن أهداها إليّ رجل أقرأت ابنه القرآن. قال: ( فتحب أن يقلدك الله قوساً من نار؟) قال: لا، قال:( فردها)(3). وبحديث أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: “علمت رجلاً القرآن، فأهدى إلي قوساً فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ( إن أخذتها أخذت قوساً من نار) فرددتها “(4).

فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.

ثانياً: أما بخصوص طلب حفاظ القرآن وأصحاب الصوت الحسن الأجر على إمامة المسلمين في التراويح في شهر رمضان ويشترطون هذا الأجر على ذلك؛ فأقل أحواله الكراهة:

أ ـ لما ورد من أدلة المنع التي استدل بها الحنفية والحنابلة في حرمة أخذ الأجر على الإمامة والأذان وغيرهما.

ب ـ موقف ابن عمر رضي الله عنهما من المؤذن الذي يأخذ الأجر على الأذان، فعن ابن عمر رضي الله عنهما لما قال له المؤذن: إني أحبك في الله. قال له ابن عمر: وإني أبغضك في الله. قال: ولم؟ قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً”(5).

ج ـ موقف الضحاك بن قيس من القارئ الذي يأخذ الأجر على القرآن، فعن الضحاك بن قيس: أن رجلاً قال: إني لأحبك في الله، قال له: ولكني أبغضك في الله، قال: لم ؟ قال: إنك تبغي في أذانك، وتأخذ الأجر على كتاب الله”(6).

د ـ أنّ هذا الطلب والاشتراط استئكال بالقرآن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه نَعَى على أولئك الذين يستأكلون بالقرآن، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ” تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَسَلُوا بِهِ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “(7).

ومرَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأْ عَلَى قَوْمٍ ، فَلَمَّا قَرَأَ سَأَلَ ، فَقَالَ عِمْرَانُ : “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: ( مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ)(8). وقال عمر رضي الله عنه: ” اقَرَؤُوا الْقُرْآنَ وَاطْلُبُوا بِهِ مَا عِنْدَ الله قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ”(9).

والذي يشترط على الناس الأجر ويبالغ في ذلك ويبادر بالطلب والاشتراط اجتمع فيه الأمران: التباهي بالقرآن، والاستئكال به.

هـ ـ أنّ صلاة هذا الرجل وإمامته حين يطالب بالأجرة ويصرّ عليها ويشترطها لإمامة الناس في التراويح ويقول: لا أصلّي بكم ولا أسمعكم كلام الله حتى تعطوني كذا وكذا؛ فصلاة هذا الرجل أصبحت للمال لا لله.

و ـ أنّ الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا. قال: أعوذ بالله!! مَن يصلي وراء هذا؟!.

والمعنى واضحٌ بيّنٌ: مَنْ يُصلِّي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية(10).

ولهذا كله؛ حين يطلب الناس حافظاً للقرآن ليصلي بهم التراويح فاللائق بحامل القرآن أن يلبّي الطلب حباً وكرامة، فإذا أعطوه أخذ من غير استشراف لما في أيديهم، والذي في صدره وقلبه ـ والله ـ أعظم من الذي يوضع في جيبه.

ثالثاً: المعلوم أن كثيراً من هؤلاء الحفاظ فقراء ومحتاجون للمال لإقامة ضرورياتهم وحاجياتهم، وكثير منهم من طلبة العلم، فليحرص المسلمون في كل بلد على كفالة هؤلاء الحفاظ ولا يحوجوهم لاستشراف ما في أيدي الناس، ويلجؤوهم إلى اشتراط الأجرة للصلاة بالناس التراويح بختمة.

رابعاً: والأولى من ذلك أن يقوم ولاة الأمر بواجبهم تجاه حفاظ القرآن والأئمة والمؤذنين فيقرروا لهم أرزاقهم من الدولة بما يقيم ضرورياتهم وحاجياتهم، ولا يضطروهم لطلب ما في أيدي الناس والتذلل لهم، فحقهم والله التكريم، ولا يكون ذلك إلا برفع رواتبهم بما يليق بصاحب القرآن تعظيماً وتكريماً للقرآن الذي هو رسالة رب العزة للأمة والبشرية، ولا كرامة لأمة لا تكرم رسالة ربها إليها، ومن إكرام القرآن إكرام حامل القرآن وتوقيره وصيانته من أن يهان أو يذل فيذل نفسه وما يحمله من القرآن مقابل دراهم معدودة.

والمبادرة برعاية أهل القرآن هو حال الأمراء من السلف، قال أبو إياس معاوية بن قرة رحمه الله: “كنت نازلاً على عمرو بن النعمان بن مقرن رحمه الله تعالى، فلما حضر رمضان جاءه رجلٌ بألفي درهم من قِبَل مصعب بن الزبير رحمه الله، فقال : “إن الأمير يقرؤك السلام، ويقول: “إنّا لم ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل إليه منا معروف، فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا”، فقال عمرو: “اقرأ على الأمير السلام وقل له: إنا والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا”، ورده عليه(11)..

الحواشي

  1. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 5737.
  2. أخرجه ابن ماجة برقم 708 والبيهقي في السنن الكبرى برقم 1714،والنسائي برقم 1596، وصححه الألباني.
  3. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/113): والمثنى وولده ذكرهما ابن أبي حاتم ولم يجرح واحداً منهما، وبقية رجاله ثقات”.
  4. أخرجه ابن ماجة في سننه برقم 2158، وصححه الألباني.
  5. أخرجه الطبراني في الكبير برقم 12883، وشرح معاني الآثار ج4 ص 128، برقم 6020.
  6. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 1853.
  7. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم 2389، وفي شرح السنة للبغوي برقم 516بلفظ : ( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَسَلُوا اللَّهَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ رَجُلانِ : رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ).
  8. الطبراني في الكبير برقم 14787، والبزار في مسنده برقم 3553، واحمد برقم 19958،وابن أبي شيبة برقم 7826، وشرح السنة برقم 516. وقال الترمذي : هذا حديث حسن، وقال شعيب الأرناؤوط لسند أحمد: حسن لغيره.
  9. ابن أبي شيبة في المصنف برقم 30625.
  10. راجع شرح الشيخ محمد بن محمد المختار حفظه الله تعالى لزاد المستنقع، الدرس الثامن والعشرين .
  11. أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف برقم 30627.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الحقنة مع الصيام

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض دخل عليه رمضان وهو مستمر في العلاج ولم يكمل أخذ (الحقن) المقررة له من الطبيب ، ويجد في نفسه قوة للصيام ، فهل أخذ (الحقنة) في نهار رمضان يفسد صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

(الحقنة) المعروفة لدى أسلافنا الكرام رحمهم الله تعالى ورضي عنهم هي (الحقنة) الشرجية خاصة . قال القاضي عياض رحمه الله : “(الحقنة) هي ما يستعمله الإنسان لدوائه من أسفله”(1) . والآن توسع استعمال (الحقنة) للمداواة فاستخدمت في العضل وفي الوريد ، و(الحقنة) منها ما يؤخذ للتداوي، ومنها ما يؤخذ للتقوية ، ومنها ما يؤخذ للتغذية .

و(الحقن) المداوية والمقوية جميعها لا تفطر :

أولاً : لأن العلماء اشترطوا في المفطرات ثلاثة شروط يجب تحققها جميعاً هي:

الأول: أن يكون مما يمكن الاحتراز منه ، فإن لم يكن كالذباب وغبار الطريق ونحوهما فلا .

الثاني : أن يكون مما يغذي ، فإن كان مما لا يغذي فلا .

الثالث : أن يصل إلي الجوف من المنافذ المعتادة(2) .

و(الحقن) في هذا الزمان لا تصل إلى الجوف ، وإن وصلته لا تصل إليه من المنافذ المعتادة ، فهي غالباً إما أن تعطى في الجلد ، أو في العروق، أو في الأوردة . أما (الحقنة) الشرجية فقد جعلها كثير من الفقهاء مفطرة، كالحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية .

واختار ابن تيمية صحة الصوم مع (الحقنة) مطلقاً(3) .

ثانياً: تخريجاً على اشتراط الشافعية، فقد اشترطوا في الواصل إلى المعدة “كونه من منفذ مفتوح، فلا يضر وصول الدهن بتسرب المسام”(4).

و(الحقن) الوريدية والعِرقية والعضلية أشبه ما يكون تسرباً بالمسام، فلا تضر بالصيام .

ثالثاً : أجمع علماء العصر على أن (الحقن) المداوية والمقويّة لا تفطر(5). ونصّ على ذلك كل من: شيخ الأزهر: محمود شلتوت، والشيخ محمد سلامة جبر ، والشيخ علي الطنطاوي(6) .

ويظهر عدم الخلاف في ذلك من كلام النووي في المجموع حيث قال: “لو أوصل الدواء إلي داخل لحم الساق أو غرز فيه سكيناً أو غيرها فوصلت مخّه لم يفطر بلا خلاف ، لأنه لا يعد عضواً مجوفاً” أهـ (7).

[2] (الحقن) المغذية ، أي التي تكون بديلاً عن المغذيات بالفم(8 لم يتفق علماء العصر في جوازها، فكانوا على قولين :

القول الأول : أنها مفطرة ، لأنها مغذية كالأكل والشرب، وللحطاب من المالكية قول يفهم منه أنها تفطر حسب القاعدة التي وضعها فقد قال: “واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر أو لا يقع به؟ وأن لا يقع به أحسن ، لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة ، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال”أ.هـ(9) . وقد ذهب إلى ترجيح كونها مفطرة الشيخ محمد الشيباني في تبيين المسالك(10) .

والقول الثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور المعاصرين ممن تكلم في المسألة أنها كالحقن الأخرى ، غير مفطرة ، فيبقى الصوم صحيحاً وإن أخذ [الدِّرب أو الجلكوز ] . ووجه ذلك :

[1] أنها لا تدخل إلى الجوف من منفذ معتاد على قاعدة الفقهاء.

[2] وأنها لا تُذهب الجوع والعطش، ولا يحس من تناولها بالشبع والري، لأنه لا يدخل المعدة، وإن أحس بنشاط وانتعاش بعدها، وهذا الانتعاش أو النشاط لا يكفيان للإفطار بهما، وإلا لحكمنا على من اغتسل بماء بارد بالإفطار وفساد الصوم ، ومن تلفف بثوب مبلول فانتعش؛ ببطلان صومه، وهذا لا يكون(11)،وهذا هو الراجح المختار إن شاء الله تعالى.

الحواشي

  1. التاج والإكليل ، 2/424 .
  2. انظر : القوانين الفقهية لابن جزئ الكلبي ، ص 80 ، وينظر : المغني 3/39 .
  3. الفتاوى 25/234 .
  4. انظر : مغني المحتاج ، 1/428 .
  5. نقل الإجماع القرضاوي في كتابه : فقه الصيام ص 100 .
  6. يراجع : فتاوى شلتوت ص 136 ، فتاوى محمد سلامة جبر ص 77 ، فتاوى علي الطنطاوي، ص 230-231 .
  7. المجموع شرح المهذب ، 6/322 . لأن ما ذكره وحقيقة (الحقن) أمرٌ واحد ، وهو إيصال الدواء إلى داخل اللحم .
  8. (4) وهو ما يعرف اليوم بـ [ الدِّرِبّ ] أو [ الجلكوز ].
  9. مواهب الجليل للحطاب ، 2/424 .
  10. راجع : تبيين المسالك لتدريب السالك ، 2/158 .
  11. انظر : فقه الصيام للقرضاوي ، ص 101 ، فتاوى شلتوت ، ص 136 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صيام المستحاضة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

امرأة أفطرت بسبب الحيض ، فلمّا انقضت أيام حيضتها المعروفة؛ استمر دمها أياماً، فماذا تصنع؟ هل تصوم مع وجود الدم؟ أم تفطر بانقضاء أيام حيضها المعروفة؟.

جواب فضيلة الشيخ

إذا انقطع دم الحيض فقد زال المانع من الصيام ، ووجب على المرأة الصوم، فإذا استمرّ الدم أياماً أكثر من أيام حيضتها المعلومة عندها حسب العادة في كل شهر ؛ فهذا الدم دم استحاضة وليس دم حيض، وهو ما يعرف في هذا الزمان بـ ” النَّزيف ” .

وعليه : تبدأ صيامها بانقطاع دم الحيض ولا تفطر بسبب الاستحاضة ، فإن الاستحاضة ليست من موانع الصوم. وقد نقل اتفاق العلماء في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(1).

الحواشي

  1. مجموع الفتاوى 25/267 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

زكاة الفطـر علـى المديـن

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندما حلّ العيد المبارك علينا ووجب إخراج زكاة الفطر؛ وجدت أنّ عليّ ديناً لبعض الناس، فهل هذا الدين يسقط عني وجوب زكاة الفطر، وهل الأولى أن أدفع زكاة الفطر أم أن أوفّي ولو ببعض الدين؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة لها صورتان(1):

الصورة الأولى : أن لا يكون الذي عليه الدين مطالباً به من غرمائه، وعنده قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته ، ففي هذه الحالة لا تسقط زكاة الفطر، ويجب عليه إخراجها . ووجه ذلك :

[1] أن زكاة الفطر آكد وجوباً من زكاة المال ، بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ، ولا يتوقف وجوبها على نصاب في مال فجرت مجرى النفقة، ومن عليه دينٌ تجب عليه النفقة.

[2] أن زكاة المال تجب بالملك فالدين مؤثر فيه ، أما زكاة الفطر فأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه ، فلا يمنع وجوبها .

الصورة الثانية : أن يكون الذي عليه الدين مطالباً من غرمائه وأصحاب الحقوق عليه ، ففي هذه الحالة يسقط وجوب إخراجها عليه ويمنع هذا النوع من الدَّين الفطرة ، وذلك للآتي :

[1] أنّ الدين أصبح واجب الأداء عند المطالبة .

[2] ولتأكد كونه حق آدميّ معين لا يسقط بالإعسار .

[3] وأن الدين أسبق سبباً وأقدم وجوباً على زكاة الفطر ، ويأثم بتأخير دفعه عند الطالبة ويكون مطلاً محرماً وفي حديث الصحيحين: (مطل الغني ظلم)(2).

الحواشي

  1. يراجع : المغني لابن قدامة ، ج2 ص 714 ، كشاف القناع ، ج2 ص 251 ، بداية المجتهد، ج2 ص 131 ، شرح منتهى الإرادات ، ج2 ص 397 ، المقدمات الممهدات لابن رشد ، ج1 ص 332 ، مواهب الجليل ج2 ص 259 ، أسهل المدارك ج1 ص 407.
  2. أخرجه البخاري كتاب الحوالات ، برقم 2166 ومسلم باب تحريم مطل الغني برقم 1564.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم صلاة التهجَّـد جماعـة فـي العشر الأواخر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

في السنوات القريبة ظهرت صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان، وانتشرت في كثير من البلدان والمساجد لأن الحرمين الشريفين يصلون التهجد في العشر الأواخر ويجعلون ختمة خاصة بالتهجد غير ختمة التراويح، وبعض الناس يظن أنه لو لم يصلّ التهجد كأنه لم يصلّ قيام رمضان، وبعضهم يتفقد بعضهم البعض، هل حضرت؟ ومع من صليت التهجد؟. فما حكم هذا التهجد؟ وهل كان معروفاً عند السلف؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: صلاة التراويح وقيام رمضان من نوافل الخير التي كلما أكثر منها المصلون ركوعاً وسجوداً، أو أطالوا القيام فيها ازداد الاستحباب. والأصل في فعلها ليلاً وبانفراد أو اجتماع جاز وصحّ ، وعليه فالظاهر من قواعد الشرع في النوافل صحة وجواز صورة التهجد المعروف اليوم.

ثانياً: بَحَثَ الفقهاء هذه المسألة:

أ ـ فمن نظر إلى أنّ المعهود من السلف رضوان الله عليهم صلاة التراويح جماعة مرة واحدة في الليلة، رَأَىَ كراهة العود جماعة في قيام ليالي رمضان.

ب ـ ومن نظر إلى الأصول وقواعد الشرع في النوافل والتطوعات خاصة قيام الليل والتوسعة في شأن التراويح؛ رَأَىَ جواز التهجد والعودة جماعة لقيام الليل في رمضان بعد التراويح.

فعند الحنفية صلاة التهجد بالمعنى الخاص في القيام الثاني في العشر الأواخر من رمضان جماعة في المسجد مكروهةٌ.

قال الكاساني في بدائع الصنائع: “إذا صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوها ثانياً يصلون فرادى لا بجماعة ؛ لأن الثانية تطوع مطلق ، والتطوع المطلق بجماعة مكروه”(1) .

وعند الحنابلة قولان: قول بالكراهة وقول بالجواز بلا كراهة، وذلك للأصلين الذين قررتهما.

ويسمى عند الحنابلة بـ”التعقيب” وهو: أن يصلِّىَ الرجل بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى.

وللإمام أحمد رحمه الله فيه روايتان:

الأولى: كراهة التعقيب بصلاة التراويح في جماعة أخرى، نقلها عنه محمد بن الحكم.

والرواية الأخرى: أنه لا بأس، وهي رواية الجماعة عنه.

وقد استند في الرواية الثانية بالجواز إلى ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال: “ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه”.

وقد صحح ابن قدامة وغير واحد من أئمة الحنابلة الجواز بلا كراهة قال في المغني: “والصحيح أنه لا يكره لأنه خير وطاعة فلم يكره كما لو أخره إلى آخر الليل”اهـ(2) .

والمختار في مسألة التهجّد أمران:

الأمر الأول: أنه يجوز التهجد الذي يكون بعد الهجود ، وقد كان ذلك حال النبي ﷺ إذ كان حاله عليه الصلاة والسلام القومة بعد النومة، فمن صلّى التراويح في جماعة عمل بسنة عمر بن الخطاب والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن صلّى التهجد آخر الليل في جماعة عمل بأصل سنّة المصطفى ﷺ الذي صلّى معه الناس في بعض ليالي العشر الأواخر من رمضان من آخر الليل، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: “صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصلِّ بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه ؟. فقال: ( إنّه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة ) ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح”(3) أي: السحور.

الأمر الثاني: على القول بالجواز قد يكون لبعض المتهجدين الصلاة في بيته أفضل، وربما كان لبعضهم الصلاة في المسجد جماعة أفضل:

ـ فمن كان يعرف في نفسه النشاط للقيام وإحياء الليالي الكرام بلا كسل أو تناوم فهذا انفراده في البيت وتهجده لوحده أفضل في حقه.

ـ ومن كان يعرف من نفسه التكاسل والتساهل في القيام إن قام وحده في البيت، وينشط في الجماعة؛ فهذا تهجده في الجماعة أفضل في حقه.

ـ ومن وجد نفسه ينشط لأجل ملاقاة أقرانه أو أصدقائه، بحيث لو تغيبوا أو لم يكونوا تكاسل؛ فهذا صلاته في البيت أو نومه أصلح له من تهجده في المسجد، لأنّ الداعي لتهجده جماعة في المسجد اشتبه بالرياء، فالخفاء أصلح له..وهكذا.. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج1 ص 290.
  2. المغني لابن قدامة، ج1 ص 837، والشرح الكبير ج1 ص 791مع المغني.
  3. أخرجه الترمذي في السنن برقم 806 ، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

الصيام بنزول الدّم دفقةً واحدةً ولأوّل مرّة

ابنتي في الصف السادس مرحلة الأساس وهي في عمر الثانية عشرة، وقبل أربعة أشهر نزل منها دم دفقة واحدة ولمرة واحدة، وإلى الآن ما عاد ولا تكرر، فهل هذا يعتبر حيضاً؟ وهل بلغت بذلك ووجب عليها أن تصوم رمضان ؟.

اقرأ الجواب