فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
بعد يومٍ طويلٍ وشاقٍّ في عملي جئت مساءً فنمت، ونامت أهلي، فلما أصبحنا أكلنا وشربنا ، وبعد شروق الشمس وذهابي للعمل أخبرني زملائي أن الدولة أعلنت بالأمس ليلاً أنّ هذا اليوم هو أول أيام شهر رمضان، فوقعت في حيرة، هل أمسك بقية اليوم أم لا؟ وهل إذا أمسكت بقية اليوم أكون مطالباً بقضائه بعد رمضان؟.أفيدوني يرحمكم الله.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: هذه المسألة في عصرنا هذا قد تكون نادرة الوقوع، ولا يُتصوّر وقوعه إلاّ في الريف أو عند من لا يملك وسيلة اتصال من تلفاز أو هاتف أو نحو ذلك، اللهم إلا قليلاً كحالة المستفتي.
والواجب على المسلم في ليلة التاسع والعشرين من شعبان أنْ يتحرّى الشهر، وأنْ لا ينام حتى يطمئنّ على ثبوته أو عدم ثبوته.
وفي الغالب يحرص المسؤولون في إعلام المسلمين بثبوت الشهر أو عدم ثبوته قبل توجّه الناس لصلاة العشاء رعاية لصلاة التراويح، على أنّ الشهر لو ثبت يبدأ الناس في صلاة التراويح مع العشاء. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن ينام قبل التأكّد، أو على الأقل أن يكلّف أهله أو أحداً من جيرانه أو معارفه بتتبع الأخبار لإبلاغه وإخباره، فإنْ لم يفعل شيئاً من ذلك يكون مقصّراً إلا أن ينسى هو وأهله كون الليلة ليلة التاسع والعشرين من شعبان.
ثانياً: إذا أصبح فأكل وشرب أو لم يأكل ولم يشرب، ثم علم بالنهار دخول شهر رمضان، فالواجب عليه الإمساك بقية اليوم على رأي الجمهور من المذاهب الأربعة (1).
وذهب عطاء وبعض الشافعية إلى أنّ إمساك بقية اليوم ليس بواجب فلا يلزمهم، محتجين بأنّهم أفطروا بعذر، فلم يلزمهم إمساك بقية النهار، كالحائض إذا طهرت وكالمسافر إذا أقام(2).
وإنْ لم يأكل ولم يشرب ثم علم أنه من رمضان فأمسك بقية اليوم؛ فالمحكيّ عن أبي إسحاق من الشافعية أنه يكون صائماً من حين أمسك، وهو قول شاذٌّ حكم النووي رحمه الله عليه بالفساد(3).
والدليل على وجوب الإمساك بقية اليوم أكل أو لم يأكل:
1- حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ رسول الله عليه السلام أمر مناديه يوم عاشوراء: « أنَّ من كان اصطبح فليمسك، ومن لم يكن اصطبح فليتمّ صومه »(4).
2- وفي أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله شهد قوم على الهلال بعد ما أصبح الناس، فقال رحمه الله: >من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل، فليصم بقية يومه< (5).
ثالثاً: وإذا أمسك بقية صومه هذا ، فهل يجب عليه القضاء؟
فالعلماء على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجب عليه القضاء، وهو الذي قال به جمهور العلماء(6).
والمذهب الثاني: أنه صوم صحيح لا قضاء معه إنْ لم يكن أكل أو شرب ثم أمسك، وهو الذي حكاه أبو حامد الاسفراييني عن أبي إسحاق المروزي من الشافعية (7).
والمذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه، إذا أمسك وأتمّ يومه، أكل أو لم يأكل، وهو قول ابن تيمية، قال في الفتاوى: « الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة» . وجاء في الاختيارات: « و يصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء، وإن كان أكل » (8). وتبعه على ذلك ابن القيم والشوكاني رحمهم الله (9).
والمذهب الرابع: للإمامين الأوزاعي والليث بن سعد رحمهما الله، أنه إذا أصبح مفطراً إلا أنه لم يطعم، ثم جاءهم الخبر أنه من رمضان؛ فإنهم يتمّون صيامهم ولا قضاء عليهم.
قال الليث: « وإن لم يأتهم الخبر إلا بعد ذلك اليوم أو بعد ما أمسوا؛ كان عليهم قضاء ذلك اليوم » (10).
والراجح هو مذهب الجمهور، القاضي بوجوب الإمساك والقضاء، من وجهين:
الوجه الأول: أن البينة قامت برؤية هلال رمضان، والمكلف مأمور أن يصوم إذا رؤي الهلال، وهو وإنْ أمسك عن الطعام والشراب إلا أنه لم يأت فيه بصوم صحيح، فوجب عليه القضاء.
الوجه الثاني: أن من شرط صحة الصوم النية المعقودة من الليل ، لحديث النبي ﷺ: ( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)(11). وهذا لم يبيّت صيام هذا اليوم من الليل، فوجب عليه أن يقضيه.
والله أعلم.
الحواشي
انظر: القوانين الفقهية ، ص 135، المناهل الزلالة في شرح الرسالة ، ج3 ص 1064،المختصر الفقهي لابن عرفة ،ج2 ص 62، الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 231 – 233، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة ، ج3 ص15، كشاف القناع، للبهوتي، ج2 ص 310.
المهذب مع المجموع ، ج6 ص 272، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة، ج3 ص 15.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر
هل يجوز الفطر للمجاهدين وإنْ لم يكونوا على سفر ؟
جواب فضيلة الشيخ
رمضان والجهاد متوافقان ، فرمضان هو السيف على رقبة الشهوة الجانحة، وفاتح ألطاف القلوب للتقوى في المؤمن، والجهاد هو السيف على رقبة الطغاة المجرمين الذي يصدون عن سبيل الله الدعوة والدعاة، وفاتح أطراف الأرض والبلاد لتمكين دين الله ، لذلك توافقت الفتوحات العظيمة مع أيام رمضان ، والانتصارات العظيمة مع بركات الصيام. وهذا حديث يلطف ويلذ ويطيب كلما كثر وتواصل، وليس هذا مقامه.
والمجاهد في رمضان يقارن سبعين مجاهداً ، إذ كل فريضة في رمضان ترتفع إلى قدر سبعين فريضة ، ويعدل إنْ أخلص القائم الذي لا يفتر والصائم الذي لا يفطر ، وعمله أنفع للأمة من عمل الصائم الفرد من غير المجاهدين ، ولذلك ينظر في أمر فطرهم وصومهم بالمقارنة والموازنة مع السنن الواردة المرويّة
فالمجاهد لا يتحقق جهاده إلاّ إذا قوي على العدو ، والصوم يجهده ويتعبه فيأخذ قوته ، فيكون بين أمرين : إما أن يفطر ويجاهد ، وإما أن يصوم ويقعد عن الجهاد ، ولا شكّ أن كل فقيه عالم سيفتي بتقديم الجهاد على الصيام في حق المجاهد ، خاصة وأنّ النبي ﷺ صرّح بتقديم قوة المجاهد على صيامه فقال: ( إنكم مصبّحوا عدوّكم ، والفطر أقوى لكم فافطروا).. ولما دنوا من عدوهم قال للصحابة رضوان الله عليهم:( إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم). وهذا بأكمله في صحيح مسلم ومسند أحمد وقد فهم الصحابة أن الحديث الأول دالٌّ على الوجوب كما يقول الراوي أبو سعيد الخدري رضي الله عنهما. قال قزعة : ( أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني لا أسألك عما سألك هؤلاء أسألك عن الصوم في السفر فقال سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة منا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم قال لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر
والمجاهد إذا قارناه بالمسافر ، فالمصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة الحاصلة بالفطر للمسافر، لأن المسافر مصلحته بالفطر تعود إليه وحده، والمجاهد مصلحته بالفطر تعود لأمته وبلده ودينه، فلو رخّص الشارع للمسافر الفطر، فمن باب أولى الترخيص للمجاهد، لأنّ نفعه أعظم وأشمل .
وبالنظر من ناحية أخرى نجد : أن المشقة الحاصلة للمجاهد بالصوم مع الجهاد والرباط ، أشدّ وأزيد من المشقة الحاصلة للمسافر أو المريض، فكان أولى بالتيسير والتخفيف . وهكذا .
وعليه : فالمجاهد وإنْ لم يكن مسافراً ، يجوز له الفطر في حالة المرابطة من غير مواجهة .
أمّا إذا كان وقت المواجهة والملاقاة والمقاتلة فالفطر عندئذ يكون واجباً إذا علم أو غلب على ظنه أن الصيام سيجهده عن القتال، وفي هذه الحالة يُحمل قول النبي ﷺ يوم فتح مكة: ( إنّه يوم قتال فأفطروا ) وهو أمر يقتضي الوجوب بظاهره وبقرينته ، والقرينة هنا أنه صار قتالاً واجباً وجوباً عينياً تُرك من أجله واجب عيني ـ هو الصيام ـ(1).
والله تعالى أعلم ..
الصياموأقضية النساءالصياموأقضية النساءالصياموأقضية النساءالصياموأقضية النساء
الصيام
وأقضية النساء
الصيام
وأقضية النساء
الحواشي
ينظر في المسألة: زاد المعاد لابن القيم ، 2/53-54، فقه الصيام للقرضاوي ، ص 63-64.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
ما حكم صيام من كان يجامع أهله في ليلة من ليالي رمضان وهو يظن أن الفجر بعيد فإذا به يسمع النداء يؤذن بطلوع الفجر؟
جواب فضيلة الشيخ
الذي يجامع إلى طلوع الفجر له أحوال، وهم أصناف:
الصنف الأول: من كان يعلم بدنو الفجر ووشوك طلوعه فبادر إلى الجماع فطلع عليه الفجر وهو يجامع وكان يعلم من عادته أن الفجر سيطلع عليه وهو لا يزال في حال الجماع .
فهذا يُكره في حقه الجماع وإن كان قد بدأ ليلاً، وعليه قضاء هذا اليوم سواء نزع مع الفجر أو تمادى، لأنّه أشبه بالذي تعمّد إفساد صيامه، فيحكم بفساد صيام هذا اليوم فيقضيه.
الصنف الثاني: من كان يظنّ أن الفجر بعيد وأن الليل سيكفيه لقضاء وطره من أهله ، أو شكّ في قرب الفجر أو في دنوه ففاجأه الفجر بطلوعه، فتمادى في الجماع وهو يسمع النداء .
فهذا المجامع إذا علم بطلوع الفجر ثم مكث مستديماً للجماع ولم ينْزع؛ بطل صومه بلا خلاف، وعليه القضاء والكفارة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ، لأنه علم بطلوع الفجر فترك صوم رمضان بجماع . وعند أبي حنيفة عليه القضاء فقط دون الكفارة.(1).
الصنف الثالث: من كان يظن بعد الفجر وبقاء الليل فطلع عليه الفجر وهو يجامع فأول ما علم بطلوع الفجر نزع في الحال وقطع جماعه.
فهذا للعلماء في حكمه أقوال :
القول الأول: أنه بطل صومه وعليه القضاء والكفارة ، وهو قول ابن حامد والقاضي أبي يعلى من الحنابلة ، وهو بعيد عن أصول الشريعة، وضعيف من جهة الدليل لأنه لم يقصر ولم ينتهك حرمة رمضان.
القول الثاني: أنه بطل صومه وعليه القضاء فقط، وهو قول مالك، لأن صومه فسد ولكنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع .
القول الثالث: أن صومه صحيح لم يبطل ، ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين وغيرهم كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم(2).
وهذا القول هو الراجح لأنّه لم يكن آثماً ولا مسيئاً حين جامع بليل، ولم يكن متساهلاً أو قاصداً انتهاك حرمة رمضان لأنه ظنّ أن الفجر بعيد، ولم يكن مفرطاً فتمادى في الجماع بل بادر وحمل على نفسه فنَزع وقطع جماعه، فاتقى الله بما استطاع وليس في مقدوره أن يفعل أكثر مما فعله في ترك الجماع، ولا يمكن أن يقال: إنّ ترك المبطل للصوم يبطل الصوم. فبقي صيامه صحيحاً فلا يطالب بقضاء ولا بكفارة.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
مرات يكون لدي رغبة شديدة في مواصلة القيام والصلاة بالليل لوحدي في البيت، فنصحني بعض الإخوان أن أصلي مع الإمام إلى نهاية التراويح فإذا بقي الشفع والوتر أخرج لأكمل صلواتي في البيت وفي آخر صلاتي أشفع وأوتر، هل هذا صحيح؟.
جواب فضيلة الشيخ
في هذه المسألة خيارات شرعية أربعة جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وعلمائنا رحمهم الله تعالى..
الخيار الأول: ما نصحك به إخوانك، أن تصلي مع الإمام حتى إذا لم يبق إلا الوتر فارقته، ثم تصلي ما شاء الله لك أن تصلي من الليل ثم توتر آخر الليل تحقيقاً لنهي النبي ﷺ 🙁 لا وتران في ليلة ). وقد روي هذا عن طلق بن عليّ رضي الله عنه، قال قيس بن طلق: زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة، ثم انحدر إلى المسجد فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قدم رجلاً فقال: ” أوتر بأصحابك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( لا وتران في ليلة )(1).
الخيار الثاني: أن توتر في أول الليل مع الإمام أو لوحدك ـ كيفما صليت ـ ثم إذا استيقظت أو أردت الصلاة بعد ما أوترت؛ صليت ما شاء الله لك أن تصلى مثنى مثنى ركعتين ركعتين حتى تصبح ولا توتر ثانية، تحقيقاً لقول النبي ﷺ: ( لا وتران في ليلة ).
فعل هذا جماعة من السلف ، منهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمار وسعد بن أبي وقاص وعائذ بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ، وبه قال: طاوس وأبو مجلز والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو ثور(2).
الخيار الثالث: أن تتم صلاة التراويح مع الإمام حتى توتر معه في أول الليل ، ثم إذا استيقظت وأردت أن تصلي تأتي بركعة واحدة تشفع بها الوتر الذي صليته مع الإمام في أول الليل، وهذا يسمّى في عرف الفقهاء “نقض الوتر”(3)، ثم تصلي ركعتين ركعتين ما شئت، حتى إذا أكملت أو أوشك الفجر أن يطلع؛ تختم صلاتك بالوتر، عملاً بقول النبي ﷺ:« اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا »(4).
وقد فعل هذا جماعة من السلف : عليّ وأسامة وأبو هريرة، وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس وابن مسعود(5).
الخيار الرابع: وهو مستفاد من الخيار السابق، أن يشفع وتره بركعة عند انتهاء الإمام من الوتر وتسليمه، فلا يسلم مع الإمام، بل يأتي بركعة ليكون وتره شفعاً، ثم إذا أراد أن يصلي من ليله صلى ما شاء ثم يأتي بالوتر، فيكون قد جعل وتره آخر الليل. نصّ عليه الإمام أحمد(6)، وسند من المالكية(7).
ووجهه ـ والله أعلم ـ: أنه طالما جاز أن نشفع الوتر بركعة واحدة بعد أن ننوم ونستيقظ ـ كما في الخيار الثالث ـ؛ فيجوز إذنْ من باب أولى أن نشفع الوتر فور تسليم الإمام.
الخيارات الثلاثة الأُولَى وردت عن عليّ رضي الله عنه، والخيار الرابع مستفاد منها، قال عليٌّ رضي الله عنه: ” الوتر ثلاثة أنواع: فمن شاء أن يوتر أول الليل أوتر، ثم إذا استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة يصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل. وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح ـ أي بدون أن يوتر ـ . وإن شاء أوتر آخر الليل”(8).
وطالما الأمر على هذه السعة فإن الأفضل هو أن يكمل المصلي التراويح مع الإمام ثم إذا أراد أن يواصل قيامه أو يقوم من الليل للصلاة والتهجّد؛ أخذ بأي الخيارات الواردة، وذلك لما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ( مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ )(9).. والله تعالى أعلم..
الحواشي
أخرجه أبو داود برقم 1441، والترمذي برقم 470، وحسنه.
مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطاب ، تحقيق زكريا عميرات، عالم الكتب، ج2 ص 464.
كتاب الأم، للشافعي ج1 ص 143-144، باب في الوتر .
أخرجه الترمذي برقم 806، والنسائي برقم 1605، وابن خزيمة في صحيحه برقم 2206، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4793، وابن حبان في صحيحه برقم 2547. وصححه الأعظمي، وشعيب الأرناؤوط.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
شخصٌ صام أياماً في بلده، ثم سافر إلى بلدٍ تأخرت رؤية الهلال فيه وبدأ أهله صيام رمضان في اليوم الثاني من صيام بلده ، فاستكمل المسافر ثلاثين يوماً من حين صام ، وأهل البلد الذي سافر إليهم صاموا تسعة وعشرين يوماً. فماذا يصنع ؟
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : طالما استكمل ثلاثين يوماً من حين صام يفطر لسببين :
السبب الأول: أنه صام ثلاثين يوماً ، وهو أقصى مدة الشهر القمري، ولا يتجاوز شهرٌ منه الثلاثين. فلو وافقهم وصام معهم يكون قد تجاوز الشهر وليس عليه أن يصوم أكثر من الثلاثين.
السبب الثاني :أن صيامه صحيح لصحة سببه ، وهو ثبوت الشهر ثبوتاً شرعياً في بلده ، فلا يلزمه إلا صيام الثلاثين .
وأصل المسألة حديث كريب ، وهو أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال ” فقدمتُ الشام فقضيتُ حاجتها ، واستهلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس : متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ليلة الجمعة ؟ فقلتُ : رآه الناس فصاموا وصام معاوية . فقال : لكن رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ : ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: (هكذا أمرنا رسول الله)(1)” .
والشاهد : قول ابن عباس ” فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه “
وفيه أن كريباً لم يلزم بموافقتهم والصيام معهم ، وأن ذلك موافق لما أمر به رسول الله ﷺ.
وفي هذه الحالة لا يُظهر أنه مفطر ، يمسك في نفسه ويخفي فطره موافقة للناس .
ثانياً : قد ينعكس الحال ، فيكون قد صام برؤية بلده ثم سافر إلى بلدٍ تقدمت رؤيتهم .
ففي هذه الحالة : إن أفطروا على تسعة وعشرين يوماً أفطر معهم وقضى اليوم الأول ، لأنه يكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً، والشهر أقله أن يكون تسعة وعشرين يوماً . أما إذا استكملوا ثلاثين من حين صاموا أفطر معهم ، ولا يقضي اليوم الأول(2) . والله تعالى أعلم .
الحواشي
أخرجه الترمذي في كتاب الصيام ، حديث رقم (963) وقال : حديث حسنٌ صحيح.
جاء في المجموع : إن تأخرت رؤيتهم وأكمل الثلاثين : أصحهما يلزمه الصوم معهم لأنه صار منهم والثاني يفطر لأنه التزم حكم الأول . وإن تقدمت رؤيتهم يفطر معهم ويقضي اليوم الأخير أو يصوم ولا يفطر . وجاء في مجموع الفتاوى : من صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول ، وإن تأخرت رؤيتهم يفطر وحده كالمنفرد برؤيته ، أو يصوم معهم ولو صام إحدي وثلاثين يوماً انظر : المجموع شرح المهذب للنووي 6/276 ، ومجموع فتاوى ابن تيمية 25/106-107
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء
امرأة انقطع حيضها بعد الفجر في أول نهار رمضان، ما حكمها؟ هل تصوم ذلك اليوم أم تفطره ؟.. وأخرى انقطع دمها قبيل الفجر ماذا تفعل؟.
جواب فضيلة الشيخ
[1] أمَّا من انقطع حيضها قبيل الفجر ، فحكمها كحكم الجنب، تنوي الصيام وتصوم وإنْ تأخرت في الاغتسال .
وذهب جماعة من العلماء منهم الأوزاعي وابن الماجشون إلى أنه يجب عليها القضاء فرّطت في الاغتسال أو لم تفرّط .
والصحيح: أن صومها يصحّ ولا قضاء عليها ، لأنها طهرت من الدم، فأصبحت كالجنب لا تطالب إلاّ بالاغتسال، وعدم الاغتسال لا يفسد الصوم(1). وكذلك زال المانع لها من الصيام في وقت يمكن إدراك وقت الصوم فوجب عليها الصوم .
[2] وأما من انقطع حيضها بعد الفجر فيجب عليها قضاء هذا اليوم بلا خلاف . ولكن هل تمسك بقية يومها أو تفطر ؟
ذهب العلماء إلى ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : مذهب المالكية وهم يرون أن وجود الحيض في أي جزء من النهار يفسد الصوم فلا يندب لها أن تمسك بقية اليوم (2).
والمذهب الثاني : للشافعية والجمهور ، وهو أنها يستحب لها أن تمسك بقية يومها (3) .
والمذهب الثالث : للحنفية وهو أنها يجب عليها الإمساك بقية النهار بحجة أن الفطر في نهار رمضان بغير سببه قبيحٌ، وترك القبيح شرعاً واجب، وإنْ كان إمساكها هذا لا يجزيها عن القضاء (4).. والحنفية مع أنَّهم يرون صحة صوم من نوى صيام رمضان بعد الفجر وقبل الزوال(5)؛ نقضوا مذهبهم وتركوا رأيهم في هذه الحالة ، وتخريجاً على مذهبهم في تصحيح الصوم لمن نوى الصيام قبل الزوال؛ يصحّ صومها ولا قضاء عليها.
والراجح:
حسب القواعد الشرعية في أحكام الصيام أنها تفطر بقية يومها ولا تمسك على رأي المالكية ، لأن وجود الحيض بالنهار يمنع الصيام..
وهذا الحكم هو حكم النفساء إذا نفست قبيل الفجر أو بعد الفجر. والله تعالى أعلم ..
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع
كنت صائماً يوماً من الأيام البيض، فصادف أنْ أقام جارٌ لنا دعوة طعام فدعاني مع مجموعة من الجيران، فتحيّرتُ؛ هل ألبّي الدعوة أم لا؟ وإذا ذهبتُ إلى دعوته؛ هل أقطع صيامي وآكل معهم لأجامله؟ أم أبقَى صائماً وأخبره بصيامي وأعتذر له ؟. وحين ذكرت ذلك لامني بعضهم على عدم تلبيتي للدعوة، ولامني آخرون أني لم أقطع صيامي لأجامل جارنا، وعذرني بعضهم وقال: طالما كنت صائماً فحافظ على صيامك. فأرجو أن تفيدونا ماذا يفعل من وقع له مثل هذا، جزاكم الله خيراً.
جواب فضيلة الشيخ
المسألة فيها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون من دُعِيَ إلى وليمة أو دعوة طعام ، صائماً صياماً واجباً، كقضاء رمضان، وصيام كفارة، وصيام نذر، ففي هذه الحالة لم يختلف الفقهاء أنه لا يجوز للصائم صياماً واجباً أن يقطع صيامه ويفطر مع الناس، لأنّ إجابة الدعوة مندوبة مستحبة، وصيامه صيام واجبٌ، والواجب لا يُترك لمستحب.
ثم اختلفوا بعد ذلك؛ هل يلبّي دعوة الداعي ويذهب إلى مكان الوليمة دون أن يأكل معهم، ويخبر صاحب الدعوة أنه صائم ويعتذر له ويدعو له؟! وعامة الفقهاء يرون أن يجيب ويلبّي، ولكن عند بعضهم ذلك واجبٌ عليه، وعند الآخرين مندوبٌ وليس بواجب، وبعضهم فرّق بين دعوة وليمة العرس وبين غيرها.
أ ـ فذهب الحنابلة إلى أنه واجبٌ عليه أن يلبّي دعوته ويجيب، قال في المغني: «إنْ كان المدعو صائماً صوماً واجباً؛ أجاب ولم يفطر؛ لأنّ الفطر غير جائز؛ فإنّ الصوم واجب، والأكل غير واجب<(1). وهو ما ذهب إليه الظاهرية(2).
ودليلهم حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «إذا دُعِيَ أحدًكم فليُجبْ، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»(3). فحملوا الأمر ” فليجب” على الوجوب، والصيام على الصوم الواجب.
ب ـ وذهب الشافعية إلى وجوب إجابة الدعوة في الوليمة ( وليمة العرس) دون غيرها، قال الشيرازي في المهذب: « ومن دُعي إلى وليمة وجب عليه الإجابة<(4). مستدلاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما :«إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها<(5). مع أنهم اختلفوا في أمره ﷺ ( فلياتها) فحمله بعضهم على الوجوب العيني، وبعضهم على الوجوب الكفائي، وبعضهم على الندب(6).
ب ـ ويرى المالكية ومن وافقهم إلى أنّه سنة، ولا يجب عليه أن يجيب الدعوة ويلبي الداعي، وقد حملوا الأمر في الأحاديث الآمرة بإجابة الدعوة على السنية وإنْ كانت إجابة دعوة العرس آكد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن إجابة الدعوة واجبٌ وجوب سنة لا وجوب فرض(7).
وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنّ ظاهر ما عليه الفقهاء أنّ من دُعِيَ إلى دعوة طعام سواء أكانت وليمة عرس أو غيرها (8)، أن يجيب الدعوة ولو كان صائماً صياماً واجباً، فيحضر الدعوة إنْ لم تكن فيها منكرات، فيكون قد التزم أمر نبيه ﷺ بإجابة الدعوة، وطيّب خاطر أخيه، وجبر قلبه، وأكرم داعيه، وكل ذلك من أدب الأخوة والجوار، ثم يدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير وينصرف دون أن يفطر. وبهذا يكون قد جمع بين الخيرين، وأخذ بالحسنيين.
أما الحالة الثانية: وهي أن يكون من دُعي إلى وليمة أو دعوة صائماً صيام تطوع لا فرض، فهذا إجابة الدعوة في حقه آكد، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك »(9).. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: « إذا دُعيتم إلى كراع فأجيبوا »(10). وحديث نافع رحمه الله قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله ﷺ: « أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ». قال نافع: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم(11).
أما حكمه إذا لبّى الدعوة وحضرها هل يفطر ليأكل فيها؛ ويقطع صيامه؛ فإن الفقهاء لم يختلفوا في عدم وجوب الأكل للصائم المتطوع، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، قال: « أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل<(12)
أما جواز ذلك أو استحبابه فقد ذهب الفقهاء إلى الأقوال الآتية:
القول الأول: جواز الفطر لإجابة الدعوة وعذر الضيافة، وهو قول أبي عبدالله الرازي الحنفي وغيره من الحنفية، وقد جاء في تحفة الملوك في مبيحات الفطر في النوافل: « ويباح الفطر في التطوع بعذر الضيافة ونحوها» (13). واستدلوا بأن المتطوع بالصيام جاز له الفطر بغير عذر، فإن كان الفطر جائزاً له فلإجابة الدعوة من باب أَوْلَى، وذلك لحديث أم هانئ أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة! فقال رسول الله ﷺ: ( الصائم المتطوع أمير نفسه ـ وفي رواية: أمين نفسه ـ إنْ شاء صام وإن شاء أفطر)(14).
وقد قيّد الحنفية جواز الفطر في الدعوة بأسباب أهمها:
1ـ إذا كانت الدعوة قبل الزوال، أما بعد الزوال فلا يفطر.
2ـ إذا كان صاحب الدعوة يتأذّى ، يفطر، وإن كان يرضى بمجرد حضوره ولا يتأذى بترك الأكل لا يفطر، بشرط أن تكون الدعوة قبل الزوال.
3ـ إذا كانت الدعوة من أحد الأبوين لحق الوالدين لأن في ترك الإفطار عقوق الوالدين أو أحدهما، ولو كانت الدعوة بعد الزوال.
القول الثاني: استحباب الفطر للصائم تطوعاً لأنه يدخل السرور على من دعاه، وهو قول الحنابلة وأكثر الشافعية،
قال في الكافي: « إذا دعي الصائم لم تسقط الإجابة، فإذا حضر وكان الصوم واجباً لم يفطر، وإن كان تطوعاً استُحب له الفطر، ليسر أخاه ويجبر قلبه»(15). وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب. وعلل الاستحباب في المغني بأن له الخروج من الصوم، فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، كان أولَى(16).
وقال الشيرازي في المهذب: « وإنْ كان تطوعاً فالمستحب أن يفطر لأنه يدخل السرور على من دعاه». ونسب الحافظ ابن حجر الاستحباب لأكثر الشافعية إنْ كان يشق على صاحب الطعام صومه وعدم أكله، وبذلك أيضاً قيّد النووي الاستحباب في شرحه لعبارة المهذب، مع أنّ الروياني وابن الفراء من الشافعية أطلقا استحباب الفطر لإجابة الدعوة(17). ونَصُّ الإمام الشافعي رحمه الله يؤيّد الاستحباب، وقد نقل البيهقي نصه أنه قال: « إن كان المدعو صائماً أجاب وبارك وانصرف، ولم يحتم عليه أن يأكل، وأحبُّ إلـيَّ لو فعل إن كان صومه غير واجب، إلا أن يأذن له رب الوليمة»اهـ (18).
ومن اللطائف في ذلك؛ ما ذُكر عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أصبح صائماً، فمرّ بسقَّاء يقول: ” رحم الله من يشرب” فتقدَّم فشرب، فقيل له: ألم تك صائماً؟ فقال: بلى! ولكنِّي رجوت دعاءه ” (19).
القول الثالث: عدم استحباب الفطر للصائم تطوعاً ، بل المستحب أن يحضر الدعوة ويدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير ويبقى صائماً، وهو قول المالكية(20) وأبي حنيفة (21)، واستدلوا بالجمع بين حديث مسلم وغيره: « إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإنْ كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم »(22). وحديث: « إذا دُعِي أحدكم فليُجِبْ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك»(23).
وهذا هو الراجح، للأسباب الآتية:
1ـ أنّ مالكاً جمع بين الأحاديث، والآخرون اختاروا ورجّحوا، والجمع أَوْلَى من غيره، لأن فيه إعمالاً للأدلة، وذاك فيه إبطال لبعضها.
2ـ أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الأكل للصائم إذا دُعيَ، مع الخلاف بينهم في لزوم التطوع بالشروع، وقد ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المندوبات تلزم بالشروع(24)، فمن دخل في صيام تطوع فقد لزمه الإتمام، ولا يجوز له أن يفطر إلا لعذر. فالأكل ليس بواجب عند الجميع، بينما الصوم وجب بالشروع عند بعضهم، فكان أولى بالرعاية.
3ـ أنّ النصوص صريحة في إرشادها لمن كان صائماً وأجاب الدعوة ماذا يفعل، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق أن النبي ﷺ أمر الصائم بالدعاء لصاحب الدعوة ولم يأمره بالفطر، فقال ﷺ:« إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ وإن كان مفطراً فليطعم ».. وفي حديث عبد الله رضي الله عنه لم يأمره بالأكل وأمره بالدعاء فقال ﷺ: ( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا بِالْبَرَكَةِ)(25).
أما خبر إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه طعاماً فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله ﷺ: ( صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه )(26). فلا يقوى لمعارضة حديث أبي هريرة الذي في الصحيح، إذ هو مرسل كما أن في سنده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف لا يحتج به، بينما حديث أبي هريرة صحيح مسند.
4ـ أنّ حال سلفنا الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم يؤكّد أن الصائم ـ ولو كان صيامه تطوعاً ـ الأَوْلَى له أن يحضر ويشارك ويبارك لهم الدعوة ويدعو لهم ثم ينصرف من غير أن يقطع صومه ويفطر لإجابة الدعوة..
1ـ عن ابن سيرين أن أباه دعا نفراً من أصحاب النبي ﷺ فأتاه فيهم أبي ابن كعب رضي الله عنه وأحسبه قال فبارك وانصرف.
2ـ وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: دعا أبي عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما فأتاه، فجلس، ووُضع الطعام، فمدَّ عبد الله بن عمر يده وقال: خذوا بسم الله، وقبض عبد الله يده وقال: إني صائم(27).
3ـ وعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبدَ المغيرة وهو صائم فقال: « إني صائم، ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة» (28).
4ـ وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: « إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل : إني صائم » (29).
5ـ وأجاب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الدعوة فدعا ولم يأكل(30).
فكان حال هؤلاء الأخيار من سلفنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم جميعاً أنْ لا يفطر الصائم لإجابة الدعوة، بل يحضر ويدعو ويطيّب الخواطر ثم ينصرف محافظاً على صيامه، فبان أنّ إتمام الصوم له أَوْلَـى. والحمد لله رب العالمين.
المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 456، المسألة 808، وراجع: الاستذكار لابن عبد البر ج5 ص 470، شرح ابن بطال للبخاري ج13 ص 285.
أخرجه مسلم باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم 3593، وأبو داود باب في الصائم يدعى إلى وليمة برقم 2462، وأحمد في المسند برقم 10593.
المهذب للشيرازي بشرح المجموع ج18 ص 79.
أخرجه مالك في الموطأ برقم 1137، وأحمد في المسند برقم 4712، والبخاري في صحيحه برقم 5173.
انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي، ج18 ص 80-81 .
راجع: التمهيد لابن عبد البر ج1 ص 275، شرح ابن بطال لصحيح مسلم، ج7 ص 288، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج2 ص 590- 593. البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج4 ص 308، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل ج4 ص 5 .
وقد نقل ابن بطال إجماع العلماء على وجوب إجابة الوليمة على خصوصها مع اختلافهم في غيرها، انظر: شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج7 ص 287.
أخرجه مسلم في صحيحه برقم 3591.
صحيح مسلم برقم 3590. والكراع: مستدق الساق من الغنم والبقر العاري من اللحم.
مسلم في صحيحه برقم 3589.
شرح النووي لصحيح مسلم ، ج5 ص 153والمجموع شرح المهذب ج18 ص 87..
تحفة الملوك لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الرازي الحنفي، ج1 ص 151.
أخرجه أحمد في مسنده برقم 26937، واللفظ له، والترمذي في سننه برقم 732، والدارقطني في سننه برقم 2222، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8607، وصحّح الشيخ الألباني إسناد الترمذي، ج3 ص 109مع أن الترمذي قال: حديث أم هانئ في إسناده مقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وضعّف شعيب الأرناؤوط خبر أحمد وقال: إسناده ضعيف لجهالة جعدة، وهو ابن ابن أم هانئ، المسند ج6 ص 341.
أخرجه أحمد في المسند برقم 15256، وصححه الأرناؤوط على شرط مسلم.
راجع: البحر المحيط للزركشي ج1 ص 281-282،
أخرجه النسائي في سننه برقم 10059.
أخرجه الدارقطني في السنن برقم 2239، وقال عقبه: مرسل، اما محمد بن أبي حميد فقد قال فيه البخاري ( الضعفاء ص 119 برقم 330): منكر الحديث، والعقيلي في (الضعفاء 1/308 برقم 377): منكر الحديث، وقال الإمام أحمد: أحاديثه أحاديث مناكير (الضعفاء للعقيلي برقم 1613)، وذكره أبو زرعة في الضعفاء، والدارقطني في الضعفاء والمتروكون، رقم 480، وقال ابن الجوزي في: الضعفاء والمتروكين (3 / 54): ” قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال السعدي: واهي الحديث ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف” اهـ .
الخبران في كتاب الأم للشافعي بسنده رحمه الله ج6 ص 196، ومسند الشافعي بترتيب السندي برقم 667، 668.
المغني لابن قدامة ، ج7 ص 279.
شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج4 ص 8، المغني ، ج7 ص 279.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
لم أوتر مع الإمام بنية أن أواصل صلاة القيام لوحدي في البيت ثم نمت ولم أنتبه إلا بعد طلوع الفجر؛ هل يجوز لي أن أصلي الوتر في هذا الوقت وقد طلع الفجر؟ أم سقط عني الوتر بطلوع الفجر؟.
جواب فضيلة الشيخ
من كان هذا حاله؛ إمّا أن يتذكر أنه لم يوتر بعد أن صلّى الفجر وفرغ منها، وإمّا أن يتذكر أنه لم يوتر في أثناء صلاة الفجر، وإمّا أنه تذكر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر.
ـ إذا فرغ من صلاة الفجر أو في أثناء صلاة الفجر تذكّر أنه لم يوتر؛ فلا يجوز له الوتر عندئذ.
ـ أما إذا تذكّر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر، فالفقهاء في جواز الوتر وعدمه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا وتر بعد طلوع الفجر، وهو الذي عليه أئمة الحنفية محمد بن الحسن وأبو يوسف ، وهو قول الثوري، ومن التابعين قال به سعيد بن جبير ومكحول وعطاء.
والحجة في ذلك: أنّ الفجر قد طلع والليل قد خرج فخرج وقت الوتر، إذ وقته الليل، لقول النبي ﷺ: ( اجعل آخر صلاتك بالليل وتراً) وقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا وتران في ليلة )(1) ، والحديثان يدلان على أن وقت الوتر الليل، فإذا خرج الليل خرج وقته فلا يؤدَّى بعده لأنه أداء لصلاة في غير وقتها، وإنما الصلاة لوقتها.
المذهب الثاني: أنه يجوز الوتر ولو طلع الفجر، وهو الذي ذهب إليه الجمهور: مالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أبي ثور وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
ومما احتج به الجمهور:
1ـ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رقد ثم استيقظ فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ ـ وهو يومئذ قد ذهب بصره ـ فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام ابن عباس رضي الله عنهما فأوتر، ثم صلّى الصبح(2).
2ـ ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال يحيى بن سعيد:” كان عبادة بن الصامت يؤم قوماً، فخرج يوماً إلى الصبح فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر ثم صلى بهم الصبح”(3) .
3ـ ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ” ما أبالي لو أقيمت الصلاة وأنا أوتر”(4).
والراجح فيما يبدو هو مذهب الجمهور، لأن هؤلاء الأخيار من أصحاب رسول الله ﷺما كانوا يفعلون إلا ما اطمأنوا إلى جوازه في الشرع، وعليه جاز لك أن توتر ولو خرج الليل وطلع الفجر ما لم تصلّ الصبح. والله تعالى أعلم.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
هل يفسد صوم الصائم إذ قبَّل امرأته ؟
جواب فضيلة الشيخ
السنة الواردة في قُبلة الصائم هي :
[1] عن عائشة قالت : ( إن كان رسول الله ﷺ ليُقبِّل بعض أزواجه وهو صائم ، ثم ضحكت )(1).
[2] وعن حفصة قالت : ( كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم)(2).
[3] وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ: أيُقبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ: [ سَلْ هذه ] لأم سلمة . فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك . فقال يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر. فقال له: [ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له](3).
ظَنَّ ابن أبي سلمة أن القُبلة مع الصيام من خصائصه عليه الصلاة والسلام فبيَّن له أنه ليس من خصائصه .
[4] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ” هششتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلتُ: يا رسول الله ! صنعتُ اليوم أمراً عظيماً، قبَّلتُ وأنا صائم فقال النبي ﷺ: ( أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟) قلت: لا بأس به. قال: (فَمَهْ)(4) .
ففي كل هذه السنن والروايات إباحة القُبلة للصائم من غير تقييد أو تخصيص، فدلّ أن القُبلة للصائم لا تحرم عليه ولا تفسد صومه .
ولكنا وجدنا النبي ﷺ يفرّق في فتواه بين الشاب قوي الشهوة وبين الشيخ. فقد أخرج أحمد أن شاباً سأله فقال: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال: (لا) وسأله شيخ: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال : [نعم] ، ثم قال ﷺ:[ إنَّ الشيخ يملك نفسه](5) .. وفي رواية لأبي داود : ” أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له ، وأتاه آخر فسأله فنهاه ، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب “(6).
ويفهم هذا المعنى من كلام عائشة : (كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه)(7).
ولهذا فرَّق العلماء بين الشاب والشيخ ، وبين من كانت شهوته مفرطة وبين من كانت شهوته عادية :
فمن كانت شهوته مفرطة : تحرم عليه القُبلة وهو صائم ، لأنها مظنة إفساد صومه ، وبهذا قال الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية.
ومن كانت شهوته عادية : تكره عند المالكية والحنابلة ، ولم يكرهها الأحناف وهو مذهب عمر وعلي وأبي هريرة وجماعة من الصحابة .
ومن كان ممن لا تحرك القُبلة شهوته : كالشيخ الكبير لم تكره ولم تحرم.
ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أنزل بالقُبلة فسد صومه ، وعليه القضاء عند أكثر العلماء ، وعند مالك القضاء والكفارة .
أما إذا قبَّل فأمذى ؛ فلا شيء عليه عند الجمهور ، واختلف قول المالكية فقال جمهورهم عليه القضاء ، وقال البغداديون منهم : القضاء استحباب لا وجوب (8).
الحواشي
البخاري كتاب الصيام باب القبلة للصائم حديث رقم (1928) .
مسلم في كتاب الصيام برقم (2581) .
مسلم في الصيام برقم (2583) .
أبو داود في كتاب الصوم حديث رقم (2385) .
أخرجه أحمد في المسند 2/158 برقم 6757.
أبو داود في الصيام برقم (2387)
أخرجه أبو داود في الصوم برقم (2382) ، والترمذي في الصيام برقم (729) وقال : حديث حسن صحيح .
راجع الأقوال والمذاهب في : الاستذكار 10/57-58 ، المغني 3/78 ، مجموع الفتاوى 25/265، شرح النووي لصحيح مسلم 8/216 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء
امرأة تخشى قضاء رمضان ، فاستعملت حبوباً تمنع الحيض أو تؤخّره حتى تتمكّن من صيام الشهر كله باطمئنان، هل يجوز لها ذلك، وهل يصحّ صومها إذا لم تحض بسبب الحبوب ؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: لا يلحق بالمرأة التي حاضت أيام رمضان في أثناء الصيام فأفطرت بسبب الحيض ، لا يلحقها أيّ حرج لا بين الناس ولا عند ربها، والحيض أمرٌ كتبه الله على بنات آدم كما مرّ في قبل قليل ، وعليه : فالأمر الطبيعي بالنسبة للمرأة أن تصوم صومها فإذا حاضت أفطرت ثم قضت ما أفطرته من أيامه .
ثانياً : إذا أرادت أن تتناول الحبوب التي تؤخّر الحيض أو تمنعه لتكمل صيام رمضان كله دون انقطاع ، فلا مانع شرعاً من ذلك ، إلاّ إذا كان في استعمال هذه الحبوب مضرة تلحق بها أو برحمها فتؤخر الإنجاب أو تضر بالجنين أو تغيّر الطبيعة في الولادة والحمل والرضاع ، فإذا كان فيها ضررٌ فيحرم استعمالها ، ولذلك يستحسن استشارة طبيب مسلم حاذق من أهل الاختصاص ، فإذا أقرّ تناولها ، ونفى وجود الضرر أو لحوق الضرر بتناولها؛ فلا مانع شرعاً من تناولها وإكمال كل أيام رمضان بالصيام دون انقطاع
وقد نصّ بعض متأخري الحنابلة على جواز ذلك كالشيخ مرعي في كتابه ( دليل الطالب ) والشيخ ابن ضويان في شرحه لكتاب مرعي: (منار السبيل).
قال الشيخ مرعي : ” إنّ للأنثى شرب دواء مباح لحصول الحيض ولقطعه ” ووجّه الشيخ ابن ضويّان كلام الشيخ مرعي فقال : ” لأنّ الأصل الحلّ حتى يرد التحريم ، ولم يرد ” (1).
ونصّ نفرٌ من علماء عصرنا على جواز ذلك أمثال: الشيخ القرضاوي والشيخ محمد سلامة جبر وغيرهما ..(2).
الحواشي
انظر: فقه الصيام القرضاوي ص 47، عنهما في منار السبيل في شرح الدليل.
انظر : فقه الصيام المرجع السابق نفسه ، وانظر : الفتاوى الشرعية ، محمد سلامة جبر، ص 101 _ 102
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع
كنت أصوم ستة أيام من شوال كل عام أبدأ في اليوم الثاني من عيد الفطر، وكنا سمعنا من مشايخنا أنّ صيامها مستحب وأنه مع صيام رمضان يعدل صيام الدهر، ولكني قبل أيام سمعت أحد المفتين في قناة من قنوات التلفزيون أن صيام الست من شوال مكروه، فأرجوكم بينوا لنا هذه المسألة، هل هو مستحب أو مكروه؟.
جواب فضيلة الشيخ
ما كُنْتَ تفعله من صوم الستّ من شوال على أنه مستحبٌّ؛ نسأل الله تعالى أن يتقبله منك ويجزيك به، فهو قولٌ لأَئمةٍ أخيار. وما سمعْتَه من بعض المفتين في إحدى القنوات الفضائية كذلك قول لأئمةٍ أخيار رحمهم الله تعالى جميعاً.
ومسألة صيام الست من شوال، فيه خلافٌ كبيرٌ بين أئمة المذاهب من الفقهاء، فنجد أقوالاً لفقهاء الحنفية، وأقوالاً لفقهاء المالكية.
فالحنفية إمامهم قال بكراهة صومها، وأبو يوسف كره إتْبَاع رمضان بصومها، وكره صومها متتابعاً، والحسن بن زياد كان لا يرى لصومها ولو متتابعاً بعد الفطر بأساً، وعامة المتأخرين من الحنفية لم يروا به بأساً، ومن مشايخهم من يرى أنه ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وأن ينهى الجُهَّال عنه، وكان شمس الأئمة الحلواني يرى أن الكراهة مختصة فقط بالمتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يُكره بل يُستحب(1).
والمالكية، إمامهم مالك بن أنس رحمه الله قال بكراهة صومها، بل وأنكره إنكاراً شديداً، كما قال ابن عبد البر في الكافي، وخالفه تلميذه وابن أخته مُطرِّف بن عبد الله اليساري ولم يأخذ بذلك، وذكر الحطاب الرُّعيني أن الرجل إذا صامها في خاصة نفسه فلا يكره، وقال القرافي: « واستحب مالك صيامها في غيره خوفاً من إلحاقها برمضان عند الجهال»، ومال اللخمي لاستحبابها(2).
غير أن الشافعية والحنابلة لم يختلفوا في استحباب صومها.
وعلى هذا، فالفقهاء في حكم صوم ستٍّ من شوال على مذاهب وأقوال:
المذهب الأول: استحباب صوم ستّة من شوال، وعليه الجمهور، وهو قول الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية كالحسن بن زياد، وشمس الأئمة الحلواني، وبعض المالكية كمطرِّف واللخمي، وبه قال طاووس والشعبي وميمون بن مهران وابن المبارك وإسحاق (3).
المذهب الثاني: لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله: كراهة صوم ست من شوال في حالتين:
الحالة الأولى: أن يتبع رمضان بصومها، قال: ” كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صياماً خوفاً من أن يلحق بالفريضة”. وهو الذي وجهه شمس الأئمة الحلواني أن الكراهة في المتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يكره بل يستحب.
والحالة الثانية: أن يكون صومها متتابعاً لا متفرقاً، قال رحمه الله: “أكره متتابعاً ولا أكره متفرقاً”(4).
المذهب الثالث: كراهة صوم ستٍّ من شوال، وهو قول الإمامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، وهو المروي عن الحسن البصري رحمه الله، ونسبه مالك إلى أهل العلم في زمانه أنهم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته.
قال يحيى الليثي رحمه الله: ” وسمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك”(5).
وقال إسرائيل أبو موسى عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا ذُكر عنده صيامُ ستة أيام من شوال يقول: ” والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها”(6).
المذهب الرابع: استحباب صيامها للرجل في خاصة نفسه، دون إظهار أو إشهار لاسيما إذا كان من أهل العلم، وهذا قول بعض الحنفية وبعض المالكية، نقله أبو المعالي ابن مازة عن بعض مشايخهم الأحناف قولهم: ” ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وينهى الجهَّال عنه”(7) . ونصّ عليه القرافي في الذخيرة، والحطاب في مواهب الجليل، وكأنهما يقيدان مذهب مالك في إظهار صيام ست من شوال، وأنه لا يكره إذا كان صيامها من غير إظهار وإشهار.
وقول الجمهور فيه النصّ عن النبي ﷺ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر). ومن حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ: ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(8). ومن حديث جابر رضي الله عنه: ( من صام رمضان وستاً من شوال فكأنما صام السنة كلها )(9). وهو الراجح من جهة النص، وقول مالك وأبي حنيفة بالكراهة له وجهه من جهة العمل، ولقد بحثت عمن عمل به وصام ستاً من شوال من سلف الأمة الصالحين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم أقف على واحد منهم رُوي عنه أنه كان يصوم الستة الأيام من شوال، ولا يُتصوّر أمراً بهذا الفضل والخير يغفل عنه الأبرار من الصحابة والتابعين والأخيار من أئمة الدين، فهو وإن كان فيه الرواية فلم يكن عليه العمل، وهذا الذي جعل مالكاً وأبا حنيفة يتوقفان عن استحباب صومها وذهبا على الاحتياط للدين بالقول بالكراهة، خاصةً وأنّ العبادات أصلها التوقيف. بل إنّ ما خشيه الإمام مالك وأبو حنيفة قد وقع في كثير من بلاد المسلمين وبيئاتهم، حتى صار العيد الفعلي ثامن من شوال بعد صيام الست من شوال، فيستمر الناس كأنهم في رمضان تعظيماً لهذه الأيام وتأكيداً لصومها، والإنكار على من أفطر فيها، وهكذا أُلحق برمضان.
وعليه فالصحيح الراجح أن يكون صوم ستٍّ من شوال مستحباً، ولكن بشروط أربعة تتوافق بها أقوال الفقهاء، وتزول بها كراهة من يرى الكراهة، هي:
1ـ أن يصومها رغبة لما جاء فيها من الحثّ على صيامها.
2ـ أنْ لا يظهر صومها.
3ـ أن لا يصل صومها بالعيد، فالأفضل أن يفطر مع يوم العيد أياماً أخرى ثم يبدأ صيامها، حتى لا يلحق برمضان، ولدفع ما يعتقده بعض العامة أنّ رمضان لا تكتمل إلا بصومها.
4ـ أنْ لا يصومها متتابعة، بل يصومها متفرقة، ليفارق صومها صوم رمضان الذي لا يكون إلا متتابعة.
والله الموفق إلى الخير والصواب، والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
راجع: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة، ج2 ص 393، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، ج6 ص 133.
انظر: الذخيرة للقرافي، ج2 ص 530، الكافي لابن عبد البر ، ج1 ص 180، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب، ج2 ص 414، التوضيح في شرح مختصر ابن حاجب، لخليل بن إسحاق، ج2 ص 459، المختصر الفقهي لابن عرفة، ج2 ص 97، تبيين المسالك، ج2 ص 183.
راجع: المصادر السابقة، وانظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 112، الإرشاد إلى سبيل الرشاد، ص 153، الشرح الكبير على متن المقنع، ج3 ص 1ـ 3، المبدع في شرح المقنع، ج3 ص 49، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 343، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 400 -401، الحاوي الكبير للماوردي، ج3 ص 136، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج1 ص 280، السراج الوهاج على متن المنهاج، ج1 ص 146، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ج3 ص 548، كفاية النبيه في شرح التنبيه، ج6 ص 394، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج2 ص 184.
انظر : المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة البخاري، ج2 ص 393، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، ج6 ص 133.
الموطأ برواية يحيى، برقم 684، ج1 ص 310.
أخرجه الترمذي برقم 759، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال، وصححه الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف برقم مصنف ابن أبي شيبة 9817، ج3 ص 97.
المحيط البرهاني الموضع السابق.
أخرجه ابن ماجة برقم 1715.
أخرجه أحمد في المسند، برقم 14341، قال شعيب الأرناؤوط: ” صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن جابر الحضرمي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين”. ج3 ص 308.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أنا أسافر كثيراً، فوافق في إحدى المرات أن سافرت في رمضان، وفي هذه السفرة تحيرتُ؛ هل يصح لي أن أصلي التراويح في السفر أم لا؟ ولم أجد جواباً شافياً، أرجو توضيح هذه المسألة؟.
جواب فضيلة الشيخ
المتفق عليه بين الفقهاء أن السفر لا يمنع من صلاة التطوع والنوافل شيئاً، ويبقى الأمر بعد ذلك بين المستحب والجائز والمكروه، فكانوا على مذهبين:
المذهب الأول: هو الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء ، أنه لا يكره التنفل في السفر و لو كان يقصر الصلاة فيه. وأدلتهم في ذلك:
1ـ أن النبي ﷺ صلَّىَ يوم الفتح ثمان ركعات في الضحى، ومعروف أنه كان على سفر(1).
2ـ أنه كما جاء في الصحيحين وفي السنن أنه ﷺ كان يتنفل على البعير ويوتر عليه. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: ” كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ”(2).
3ـ وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، قال ابن قدامة: “وروي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، ، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر(3).
والمذهب الثاني: هو الذي يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكره التطوع والتنفل في السفر، ويروى عنه أنه رضي الله عنهما رأى قوماً يصلون بعد الفريضة في سفر، فقال: “لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي، وصحبت أبابكر فلم يزد على ركعتين وعمر وعثمان”(4).
وقد جمع ابن قدامة بين قول ابن عمر وقول الحسن فقال: ” إن حديث الحسن يدلّ على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها”(5).
قلت: وإنْ كان يظهر من كلام ابن عمر كراهته للتنفل في السفر، إلاّ أن الاستشهاد بعدم فعل أبي بكر وعمر وعثمان ليس دليلاً للمنع، لأن عدم الفعل دليل على جواز الترك ولا يمنع جواز الفعل، فإذا جمعنا له فعل رسول الله ﷺ ذلك، تأكّد الجواز بل الاستحباب ما أمكنه السفر من ذلك.
عليه: ومن هذا كله يظهر أن المسافر في رمضان إن استطاع أن يصلي التراويح وهو على سفر وبأي كيفية من كيفيات أداء التطوع والنافلة في السفر؛ كان ذلك من الخير والفضل، ويكون قد أتى بخصلة من خصال رمضان المعظّم. فطالما ثبت أن نبينا ﷺ كان يتنفل ويتطوع في السفر في غير رمضان؛ فالتراويح في ليالي رمضان أولى بالأداء من غيرها من نوافل الصلاة، والله نسأل لك ولنا القبول الجميل والثواب الجزيل.
أنا أب لبنتين وابن والثلاثة صغار، وقد توفيت أمهم رحمها الله تعالى، فأنا أقوم عليهم حتى يشغلوني عن الاعتكاف رغم رغبتي الكبيرة في أن أعتكف أياماً في رمضان، فهل عليّ حرجٌ أنْ لا أعتكف؟.