الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى ← فتاوى الصيام

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

(البخاخ) لمريض الربو

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض الأزمة "حساسية الربو" تراوده الحساسية في كل يوم، فيأخذ لها البخاخ فيهدأ الربو، وهذه عادته في رمضان وغير رمضان. فهل البخاخ للأزمة يبطل الصيام ويفسده ؟ وأيهما أولى لمريض الأزمة "حساسية الربو" : أن يستخدم البخاخ ويتمكن من صيام رمضان أم أن يفطر ، وبهذا لن يتمكن من قضاء ما أفطر ؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة من نوازل العصر، وقد ذهب فيه علماء الشرع إلى قولين:

القول الأول: أنه لا يضرّ الصائم المريض بحساسية الربو “الأزمة الصدرية” استعمال البخاخ أثناء الصيام، ولا يفسد ذلك صومه، ويستمر في صومه ولا شيء عليه.

وهو الذي ذهب إليه مجلس الإفتاء الشرعي في السودان، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وبه قال الشيخ القرضاوي، وهو قول ابن باز وابن عثيمين وغيرهم(1)..

وأصدر مجلس الإفتاء الشرعي في السودان في جلسته بتاريخ 11/3/1995م فتوى في أمر استعمال البخاخ للصائم المريض بالأزمة ونصها: ” لا مانع شرعاً من استعمال البخاخة للصائم لأنها لا تعد طعاماً ولا شراباً “.

والقول الثاني: أنه مفطر، وعلى من احتاج إلى استعماله القضاء: وهذا ما ذهب إليه الشيخ الغرياني مفتي ليبيا في كتابه( مدونة الفقه المالكي)، وغيره(2). وحجتهم في فساد الصوم باستعمال البخاخ:

1ـ أن هواء البخاخ لا يختلف عن بخار القدر في إفساد الصوم، لأن بخار القدر منعشٌ ومغذٍّ، وهذه الصفة متحققة في بخاخ الربو.

2ـ أن مادة دواء البخاخ مركبة من أجزاء خاصة غير أجزاء الهواء المعتاد، وهو دواء منه ما هو سائل ومنه ما هو غاز، وتناول ما هو سائل يفطر، ولا يختلف الدواء في حقيقته ، فكان مفطراً.

3ـ أنّ شيئاً من مكونات هذا الدواء يصل إلى المعدة بمنفذ معتاد، فكان مفطراً.

إلا أنّ الشيخ الغرياني مع رأيه هذا؛ ذهب إلى أنه لا قضاء على من يستعمله بصفة دائمة. تخريجاً على قول بعض المالكية في العطشان إذا بلغ العطش به مبلغاً شديداً؛ أنّ له أنْ يشرب ولا قضاء عليه (3).

فاتفق مع القول الأول القاضي بعدم تأثير استعمال البخاخ أثناء الصيام على الصائم.

وعليه: فإن الراجح هو القول بجواز استعمال البخاخ لمرضى حساسية الربو أثناء صيامهم في نهار رمضان، ولا قضاء عليهم، بل يبقى صيامهم دون فساد.

والدليل على صحة صومهم وعدم الإفطار بالبخاخ أمورٌ:

الأول: أن الأصل صحة الصيام وبقاؤه حتى يرد دليل على فساده، ولا دليل على فساد من استعمل البخاخ عند حاجته أو اضطراره.

الأمر الثاني: أنّ حجة من رأى فساد الصوم باستعمال البخاخ هو وصول شيء من رذاذ البخاخ إلى المعدة. وهذا مشكوك فيه، غير متفق عليه بين الأطباء أهل الشأن والمعرفة بذلك، فلا يزيل يقين الصوم.

الأمر الثالث: حتى لو وصل شيء منه إلى جوف المعدة، فإنه يسير معفو عنه لا يضر صوم الصائم لأمرين:

أولهما: أنه أقل من الذي يصل إلى الجوف من بقية المضمضة باتفاق أهل المعرفة، فالبخاخ مقدار المحلول فيه (10 ملليرات) تكفي لـ مائتي بخة. وعليه فالبخة الواحدة مقدارها جزء من عشرين (1/20 من الملليتر الواحد)عامته تذهب إلى الرئة والشعب الهوائية والقصبة الهوائية، ثم جزء من هذا قد يصل إلى المعدة. ومثل هذا لا يفطر.

ثانيهما: أنه أقل من بقايا السواك الذي يصل إلى المعدة، والرسول ﷺ كان يستاك وهو صائم ما لا يحصى من المرَّات، كما حدّث عامر بن ربيعة رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري عنه قال: ” رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي، أو أعد” (4).

فإذا لم يحصل الفطر بسبب السواك والمضمضة ؛ فمن باب أولى لا يحصل برذاذ البخاخ.

الأمر الرابع: أنه لا يشبه الأكل والشرب، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الأكل والشرب، ولا يذهب جوعاً ولا عطشاً. فلا يكون مفسداً للصوم

وعلى هذا: فصحيحٌ أن يصوم مريض الأزمة (حساسية الربو) ويواصل في صومه، وإن احتاج إلى استخدام البخاخ ..

ولكن مع ذلك: يحسن له أن يصبر إلى الغروب مراعاة للخلاف وخروجاً منه، إنْ لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو ازدياد الربو، أو المعاناة والمشقة. والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. راجع: فتاوى اللجنة الدائمة للإتاء والبحوث السعودية، فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين، ص 475، مجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 249، فقه الصيام للقرضاوي، ص 63ـ64.
  2. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته، ج1 ص 645، فتاوى مركز الفتوى التابع لشبكة إسلام أون لا ين بإشراف عبد الله بافقيه.
  3. راجع مدونة الفقه المالكي للغرياني، ص 646.
  4. صحيح البخاري ج3 ص 40، باب سواك الرطب واليابس للصائم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

أمـر الزوج امرأته الحامل بالفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

أدركني شهر رمضان الكريم وأنا حامل في الشهر الثالث، وبدأت الصوم، ولم أشعر بمشقة ولا بمعاناة، ولم أشعر بأي خوف على ولدي الذي في بطني، ولكن زوجي أمرني أن أفطر من أجل الحمل والجنين، فهل أطيعه وأفطر؟ مع أني لا أشعر بأي خوف على نفسي ولا على ولدي.

جواب فضيلة الشيخ

قد بيّنا حكم صيام الحامل والمرضع في أحد السؤالات السابقة، وقرّرنا أنّ فطرها بسبب الحمل أو الرضاع رخصة رخّص لها الشرع في الفطر، وبالتالي لا دخل للزوج في ذلك ولا حق له إلزامها بالرخصة، بل الأمر يتعلق بها هي إنْ أرادت الأخذ بالرخصة أخذت بها، وإن أرادت أن تأخذ بالعزيمة فتصوم فالأمر لها، وذلك للآتي:

1ـ أنّ أكثر أهل العلم ربطوا فطر الحامل بخوفها على نفسها الضرر أو المشقة، وبخوفها على جنينها الضرر أو الضياع، وهذا يعني أنّ الرخصة بخوفها هي على نفسها أو على جنينها، لا بخوف زوجها على الجنين.

2ـ أنّ الرخصة لها لا لزوجها، فالشرع لم يشرك الزوج في الترخيص للمرأة الحامل بالفطر، فقرار الفطر أو الصوم للحامل وحدها.

3ـ أنّ إذن الزوج لا يشترط في فرائض العبادات، وإنما يُستأذن الأزواج في التطوعات، وصوم رمضان من الفرائض، فلا أمر له عليها.

4ـ أنّ مذهب السلف في ذلك عدم طاعة الزوج في ذلك كما روي عن علقمة رحمه الله تعالى في مصنف عبد الرزاق أنّ امرأة جاءت إليه فقالت: “إنّى حبلى (أي حامل) وإنّي أطيق الصيام، وإنّ زوجي يمنعني” فقال لها علقمة: ” أطيعي ربك واعصي زوجك”(1).

وعليه: إنْ رأيتِ أنك تطيقين الصوم ولا تخشين ضرراً على نفسك ولا مشقة، ولا تخافين ضرراً على جنينك ولا ضياعه؛ فصومي ولا تطيعي أمر زوجك. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. مصنف عبد الرزاق الصنعاني ج4 ص 218، خبر رقم 7566.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

فطــرة المسافـر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

أبي مسافر عنا ومقيم في المملكة العربية السعودية ، وفي السنوات الماضية كان يخرج زكاة فطره هناك ويٍأمرنا أن نخرجها نحن هنا ، وفي العام الماضي اتصل بنا يخبرنا أنه أخرج زكاة الفطر عن الجميع هناك. فما الصحيح شرعاً جزاكم الله خيراً ؟

جواب فضيلة الشيخ

لهذا السؤال ثلاث حالات جائزة:

الحالة الأولى : أن يخرج هو عنهم جميعاً في محل إقامته .

والحالة الثانية : أن يخرج أهله عنه في بلادهم .

والحالة الثالثة: أن يخرج هو عن نفسه في البلد الذي هو فيه ، ويخرج أبناؤه وأهله عن أنفسهم في بلادهم ، وذلك على النحو الآتي :

[1] إذا كانت عادتهم أن يخرجوا عنه يجزئه إخراجهم عنه في بلدهم ولا يلزمه ، ولكن يندب له الإخراج في محل إقامته عن نفسه .

[2] إذا أوصاهم بإخراج الفطرة عنه أجزأه إخراجهم عنه ولا يلزمه وتعتبر العادة والوصية بمنزلة النية، ولكن يندب له الإخراج عن نفسه أيضاً.

[3] إذا لم تكن عادة أهله أن يخرجوا عنه ولم يوصهم به ، أو أن يخرج هو عنهم ؛ فوجب عليه إخراجه عن نفسه ، كما يجب عليهم إخراجهم عن أنفسهم.

[4] لا مانع أن يخرج هو عنهم أو لا أن يخرجوا هم عنه طالما اتفقوا على ذلك(1).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. انظر : الشرح الصغير ، للدردير ، ج1 ص 679 ، تبيين المسالك ج2 ص 136 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حمـل المصحـف فـي صـلاة التـراويـح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

نشاهد بعض المصلين في الحرمين الشريفين يحملون المصاحف داخل الصلاة وهم يصلون التراويح مع الإمام، فهل يجوز ذلك؟ وهل لي إذا أحببت أن أصلي التراويح في البيت بجزء أو بحزب أن أقرأ في صلاتي من المصحف؟.

جواب فضيلة الشيخ

في المسألة جانبان، جانب يتعلق بقراءة الإمام في صلاته بالناس من المصحف، والجانب الآخر يتعلق بحمل المصلين المأمومين المصاحف ليتابعوا قراءة الإمام.

أما حمل الإمام المصحف وقراءته منه في صلاة التراويح؛ فالعلماء فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لأبي حنيفة، وقد ذهب إلى أنّ الإمام الذي يصلي في رمضان وغيره ويقرأ من المصحف، صلاته فاسدة، من وجهين:

الوجه الأول: حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه، عمل كثير، والعمل الكثير يفسد الصلاة.

والوجه الثاني: أنّ هذا تعلّمٌ من المصحف في الصلاة، والتعلّم في الصلاة مفسدٌ للصلاة، كما لو تعلّم من معلم؛ وهذا لأن التعلم نوعان: تعلم من الكتاب، وتعلم من معلم، والتعلم من المعلم يفسد الصلاة، فكذا من الكتاب، فعلى هذا الوجه: وإن كان المصحف بين يديه، وهو لا يحمله ولا يقلب الأوراق تفسد صلاته عند أبي حنيفة(1).

القول الثاني: لصاحبي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله، وهو أنّ صلاته لا تفسد ولكن يكره للإمام حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة.

ووجه عدم فساد الصلاة عندهما: أنّ المفسد إنما يكون حمل المصحف، أو النظر فيه، أو تقليب الأوراق..

أ ـ وحمل المصحف لا يصلح أن يكون مفسداً، لأنّ حمل ما هو أكثر من ذلك لا يفسد الصلاة، بدليل أنّ النبي ﷺ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، وكان يضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام..

ب ـ والنظر في المصحف لا يصلح مفسداً، ولا يقاس بالنظر إلى نقوش المحراب؛ لأن النظر في المصحف عبادة، والنظر إلى نقوش المحراب ليس بعبادة..

ج ـ وتقليب الأوراق عملٌ يسيرٌ لا يقطع الصلاة..

ووجه الكراهة: أنّ حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة يشبه أهل الكتاب في صلاتهم فيما عنه بدّ، بخلاف القراءة عن ظهر القلب؛ لأنه لا بدّ منه(2).

القول الثالث: الجواز وعدم الكراهة في التراويح وغيرها من النوافل، وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وبه قال جمهور التابعين(3).

قال مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤم الإمام بالناس في المصحف في رمضان وفي النافلة (4).

ـ وعَنِ الْحَكَمِ ؛ فِي الرَّجُلِ يَؤُمُّ فِي رَمَضَانَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ رَخَّصَ فِيهِ.

ـ وعَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ ، قَالاَ : لاَ بَأْسَ بِهِ.

ـ وعَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : لاَ بَأْسَ بِهِ.

ـ وعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لاَ بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْمُصْحَفِ إذَا لَمْ يَجِدْ، يَعْنِي مَنْ يَقْرَأُ ظَاهِرًا(5).

ودليل الجواز:

1ـ حديث ذكوان مولى عائشة أنه كان يؤم عائشة في رمضان، وكان يقرأ من المصحف، ولو كان مكروهاً لما رَضِيْت به(6).

2ـ وعَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ طَلْحَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ غُلاَمًا، أَوْ إنْسَانًا يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ يَؤُمُّهَا فِي رَمَضَانَ.

3ـ إن النظر في المصحف عبادة، والصلاة أيضاً عبادة، والقراءة في الصلاة من المصحف أضافت عبادة إلى عبادة فلا تكره.

4ـ إنّ الواجب قراءة القرآن مطلقاً، وقد قرأ القرآن، فيجوز كما لو قرأ عن ظهر القلب.

5ـ أما ما استدل به الصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد ـ للكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، أجاب الجمهور بأنّه ليس كل تشبّهٍ بهم مكروه، إذ ليس كل ما يفعله أهل الكتاب يكره لنا، ألا ترى أنهم يقرؤون عن ظهر قلب، ونحن نقرأ كذلك عن ظهر قلب ولا يكره!.

أما ما يتعلق بحمل المأمومين المصاحف في صلاة التراويح ، فقد كرهه كثير من أهل العلم إن كان بغير حاجة شرعية، كأن يحتاج الإمام إلى من يفتح عليه أثناء القراءة إذا لم يكن بين المصلين من الحفظة الذين يفتحون على الإمام إذا وقفت عليه الآية. وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أنساً رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي وَغُلاَمُهُ يُمْسِكُ الْمُصْحَفَ خَلْفَهُ فَإِذَا تَعَايَا فِي آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ(7).

ووجه الكراهة: أنّ المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. المحيط البرهاني لابن برهان ابن مازة، ج1 ص 446.
  2. المصدر السابق نفسه .
  3. انظر: الشرح الصغير ، ج1 ص 316، التاج والإكليل لمختصر خليل، ج2 ص 109، فتح الباري لابن حجر، ج2 ص 185، المحيط البرهاني، ج1 ص 446، وبل الغمامة شرح العمدة لابن قدامة، د. عبد الله الطيار.
  4. المدونة، ج1 ص 194، التاج والإكليل ج2 ص 109.
  5. راجع النقول في المصنف لابن أبي شيبة، ج2 ص 338، بالأرقام: من 7293 إلى 7299.
  6. أخرج البخاري خبر إمامة ذكوان لعائشة رضي الله عنها في باب إمامة العبد والمولى برقم .
  7. مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 338 . برقم 7300.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصرعة وبعض الأمراض

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

رجلٌ مصاب بالصرعة ، وهو يتقي هذا المرض بعقاقير طبية تمثل حبة صغيرة بأخذها في اليوم مرة واحدة ، يضعها تحت لسانه حتى تتحلل ، فإذا تشاغل عنها أو تركها عاودته الصرعة . فهل استخدام هذه الحبة يفسد صومه ويفطره ؟ مع العلم أنه يقدر على بلعها بريقه دون حاجة إلى ماء ؟.

جواب فضيلة الشيخ

سألتُ بعض شيوخنا الأعلام ممن وقع هذا الإشكال في زمانهم فأجاب مستعيناً بالله : النظر في هذه المسألة من جهتين :

الجهة الأولى : أن الحبة الصغيرة التي يأخذها المريض النفسي أو مريض الصرعة ليست طعاماً من الأطعمة ، وليست مغذياً من المغذيات، وإنما هي دواء لا يزيل جوعاً ولا عطشاً ، فهي ليست من المفطرات، خاصة إن لم يستعن بالماء لإنزالها(1) .

الجهة الثانية : أن المريض إذا لم يأخذها لن يتمكن من الصيام أبداً، إذا كانت حالته مستمرة ، فأيهما أولى : أن يفطر أبداً ، أم أن يأخذ الحبة ويتمكن من الصيام ؟.

فالترجيح: أن يصوم أولى ، لأن الصيام عبادة والفطر عادة، والعبادات معتبرة أكثر من العادات ، وأخذ الحبة من وسائل تحقيق العبادة ، والوسائل يغتفر فيها خاصة إن لم تكن من المفطرات حقيقة .

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. قلت : وقد جوَّز كثير من العلماء التداوي بالاكتحال ولو وجد أثر الكحل في حلقه ، ومداوة المأمومة والجائفة ، ويقتضي تجاوز جزء من الدواء إلى الجوف . راجع : معونة أولي النهى لابن النجار الفتوحي 3/392-393 ، مجموع الفتاوى : 25/233، المجموع للنووي 6/354 مطبعة الإمام .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

البخور والطيب والكحل

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

نشم على بعض الناس روائح الطيب والعطر في نهار رمضان ، كما نجد بعضهم يستخدمون البخور ويشمونه ، أفلا يفسد هذا الصيام؟

جواب فضيلة الشيخ

القاعدة عند المالكية ومن وافقهم : أن من وصل أثره في الحلق مما يمكن الاحتراز به وكان مما يتكيف به ، فسد به الصوم ووجب به القضاء.

وبهذا فمن تطيَّب واستنشق الطيب حتى وجد أثره في حلقه أفسد يومه ووجب عليه القضاء .

ومن دهن رأسه في نهار رمضان ، ووصل شيء منه إلى الحلق، وجب عليه القضاء .

ومن اكتحل في نهار رمضان فوجد طعمه في حلقه أفطر وعليه القضاء(1).

ويرى ابن تيمية أن البخور والطيب والدهن والكحل والاغتسال كل ذلك مما تعم به البلوى ، فلو كان مما يفطر لبيَّنه النبي ﷺ كما بيَّن الإفطار بغيرها ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دلَّ على جواز تطيبه وتبخيره وإدهانه واكتحاله(2).

وهذا هو الصحيح : لأنها مما يُعلم مثلها بالأقيسة لأنها كانت معروفة في عهد التبيين فلم تبيَّن.

والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. ينظر : تبيين المسالك 2/164-166 ، والشرح الصغير 1/698-699 ، والمغني 3/40 ، وحاشية ابن عابدين 2/112 .
  2. مجموع الفتاوى 25/242 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

تعجيل زكاة الفطر قبل العيد

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندي بعض أقاربي من الفقراء ، ويكونون دائماً في همٍّ شديد عندما يقرب العيد ، ولذلك رأيت أن أدفع لهم زكاة الفطر قبل العيد بأسبوعين أو ثلاثة ، فهل يصحّ مني هذا التصرف ؟ وهل يجزئ عن زكاة الفطر ؟.

جواب فضيلة الشيخ

الفقهاء في هذه المسألة المعروفة بتعجيل زكاة الفطر على أقوال :

القول الأول : يمنع تعجيل زكاة الفطر قبل يوم العيد ، فمن أراد أن يخرج فطرته فيجب عليه أن يخرجها بعد فجر يوم العيد ولا يجوز تقديمها ولا يجزئه إذا أخرجها قبل ذلك، وهو قول ابن حزم الظاهري رحمه الله (1).

القول الثاني : أنه يجوز تقديمها بيوم أو يومين على العيد ، وهو الذي عليه جمهور المالكية والحنابلة وهو متفق عليه بين المذاهب الأربعة(2)، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في البخاري : (.. وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) (3). وكانوا راجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ، وسنتهم خير السنن ، واتباعهم بإحسان يستجلب رضوان الله تعالى (4).

القول الثالث: يرى جواز تعجيل زكاة الفطر إلى ثلاثة أيام قبل العيد، وهو الذي عليه بعض المالكية ، أخذاً بخبر ابن عمر رضي الله عنهما الذي في الموطأ عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ” (5). وابن عمر رضي الله عنهما كان معروفاً بالاتباع لسنة النبي ﷺ .(6).

القول الرابع : يرى جواز إخراجها من منتصف شهر رمضان ، وهو قول بعض الحنابلة . قياساً على جوزا تعجيل أذان الفجر لمصلحة إدراك الصلاة في الجماعة ، وجواز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.(7).

القول الخامس : يجوّز تعجيل زكاة الفطر من أول شهر رمضان، وهو قول الشافعية وحجتهم في ذلك : أن زكاة الفطر تجب بسببين: بصوم رمضان، وبالفطر من رمضان ، فإذا وُجد أحد هذين السببين جاز تقديمها على الآخر(8).

القول السادس : يرى جواز تعجيل زكاة الفطر من أول السنة، وهو قول الحنفية لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال(9).

والترجيح على ما يلي :

[1] قول ابن حزم رحمه الله تعالى مخالف لما صحّ عن الصحابة رضوان الله عليهم فلا يؤخذ به . وعليه : يجوز التقديم والتعجيل .

[2] قول الحنفية رحمهم الله تعالى كذلك بعيد عن الدليل ، لأن زكاة الفطر عبادة متعلقة برمضان وعيد الفطر ، فإخراجها قبل ذلك قطعٌ لها عن سببها ، وهو غير جائز .

[3] الأقوال الأربعة في التعجيل كل منها يقوم على وجه شرعي مقبول، فيجوز للمزكّي أن يعجّل بفطرته اليومين والثلاثة وأن يقدمها إلى نصف الشهر أو إلى أول الشهر من رمضان ، ولكن :

الأحوط: أن لا يزيد على اليومين والثلاثة ، لأن ذلك يحقق مقصود زكاة الفطر من إغناء الفقير والمسكين من الحاجة والسؤال في العيد.

وقد يكون من مصلحة بعض الفقراء والمساكين ومن يريد إعطاءهم من دافعي الزكاة أن يرسل إليهم فطرته من أول الشهر أو من منتصف الشهر ، تقديراً منه لمصلحة الفقير والمسكين ، فيكون قد أصاب، بل وأحسن .

إذنْ : يدور تقدير التعجيل بزكاة الفطر باليومين أو أكثر بحسب مصلحة الفقير والمسكين وبما يحقق مقصود إخراجها بإغنائهم عن السؤال والحاجة في العيد. والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. المحلى بالآثار لابن حزم ، ج4 ص 266 ـ 267.
  2. وإنما الخلاف بينهم في تعجيل زكاة الفطر أكثر من يومين ، قال ابن هبيرة في الإفصاح ج1 ص 183: ” واتفقوا على أنه يجوز أن يعجل زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين “اهـ .
  3. البخاري كتاب الزكاة باب صدقة الفطر على الحر والمملوك ، برقم 1440.
  4. انظر : المغني ، ج2 ص 681 ، كشاف القناع ، ج2 ص 252 ، وتبيين المسالك ، ج2 ص 136 ، حاشية الدسوقي ، ج1 ص 508 ، الشرح الصغير ، ج1 ص 677 ،
  5. الموطأ باب وقت إرسال زكاة الفطر ، برقم 55 ، ج2 ص 115 بشرح القبس للباجي .
  6. راجع : تبيين المسالك ، ج2 ص 136 .
  7. المغني لابن قدامة ، ج2 ص 681 فقرة رقم 1969 .
  8. المهذب بشرح المجموع ، ج6 ص 103 .
  9. انظر : المغني لابن قدامة ، ج2 ص 681 ، فقه الزكاة ، للقرضاوي ، ج2 ص 955 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الدخـول فـي صلاة التـراويـح بنيَّـة العشاء

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

جئت أنا وبعض إخواني إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح، فوجدنا الإمام قد أكمل صلاة العشاء وأحرم لصلاة التراويح، فاختلفنا، فقال بعضنا ندخل معه بنية العشاء فإذا سلّم من الركعتين نكمل العشاء، وقال بعضنا: لا، لا ندخل معهم بل نصلي العشاء لوحدنا ثم ندركهم فنصلي معهم بقية التراويح ونكمل تراويحنا بعدهم، فنرجو أن تبينوا لنا أي الأمرين هو الصحيح شرعاً؟ جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله، دخول من لم يصلّ العشاء في صلاة التراويح بنية العشاء، مبني على حكم اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنّ الداخل بنيية أن يصلي العشاء مفترض أي يريد أداء الفريضة وهي صلاة العشاء المكتوبة، والإمام الذي يصلّي بالناس التراويح متنفل، أي يصلي نافلة إذ صلاة التراويح نافلة. والفقهاء في حكم اقتداء المفترض بالمتنفل على قولين مشهورين(1):

القول الأول: للشافعية والحنابلة وهم يرون جواز اقتداء المفترض بالمتنفل كما يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه ومن التابعين: عطاء وطاووس.

والقول الثاني: للجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة في الرواية المشهورة، وقد ذهبوا إلى منع اقتداء المفترض بالمتنفل، وبه قال الزهري وشعبة.

وقد استدل من يرى جواز وصحة أن يقتدي مصلي الفريضة بمصلي النفل بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه في بني سلمة فيصلي بهم، فهذه الصلاة تكون له تطوعاً، لأنه صلّى العشاء الفريضة مع رسول الله ﷺ، وبالنسبة لقومه هي الفريضة لأنهم إنما يصلّون مع معاذ العشاء الآخرة.

واستدل من يرى المنع وعدم صحة أن يصلي مريد العشاء بنية العشاء مع المصلين في صلاة التراويح، بأنّ نياتهم مختلفة، وأن النبي ﷺ قال: ( إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه)(2) ، أي ليؤتم به في نية الصلاة وفي فعلها، وإلا فقد اختلفوا عليه.

فعلى القول الأول يجوز الدخول في التراويح لمن لم يصلّ العشاء بنية العشاء، فيصلي هو عشاءه ويصلي الناس التراويح.

وعلى القول الثاني: لا يدخل من لم يصلّ العشاء مع المصلين.

وقال ابن حبيب من المالكية: يدخل معهم ويؤخر العشاء ما لم يخرج وقتها المعتاد.

وقال الإمام مالك: لا يؤخرها ويصليها وسط الناس أو بمؤخرة المسجد(3). والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: الحاوي الكبير للماوردي ج2 ص 316، المجموع شرح المهذب ج4 ص 269، العدة شرح العمدة، ج1 ص 90، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج6 ص 292. وتبيين المسالك لتدريب السالك، ج1 ص 461. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، ج1 ص 383، المحيط البرهاني ج2 ص 122، التاج والإكليل ج1 ص 209. مواهب الجليل شرح مختصر خليل ج2 ص 462.
  2. أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم 209، والبخاري برقم 722، ومسلم برقم 948، وأبو داود برقم 601، والترمذي برقم 361 ، واللفظ لمالك والبخاري.
  3. التاج والإكليل، ج1 ص209.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القطرة للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مصاب بالتهابات في عينه أو عينيه ، ألزمه الطبيب باستعمال قطرة، فإذا استعملها وجد طعمها وأثرها في حلقه . فما حكمه ؟

جواب فضيلة الشيخ

القُطر الطبية منها ما يستعمل للعين ، ومنها ما يستعمل للأنف، ومنها ما يستعمل للأذن ، وكلها يمكن أن يجد المستعمل لها طعماً وأثرها في الحلق.

[1] فالقطر التي لا يجد لها المريض طعماً ولا أثراً في حلقه صيامه صحيح ولا يفطر .

[2] والقطر التي استعملت من الليل فوجد أثرها في النهار كذلك لا تفطر ولا شيء عليه .

[3] أما القطر التي تستخدم في النهار ويجد المريض طعمها في الحلق:

فإنها عند المالكية : تفطر .

أما عند الحنفية : فلا تفطر في الأصحّ “لأن الموجود في حلقه أثر داخل من المسام الذي هو خلل في البدن ، والمفطر إنما هو الداخل من المنافذ ، للاتفاق على أن من اغتسل في ماء فوجد برده في بطنه أنه لا يفطر”(1) .

وهو الصحيح : لأنه استخدم القطرة للعين أو للأنف أو للأذن من غير قصد للإفطار ولا لإيصالها إلى الحلق فوصل أثرها الحلق من غير قصد كوصول ذبابة إلى الحلق من غير القصد ، فانتفى الفرق ، فأعطي حكمه فلا إفطار بالقطرة كما لا إفطار بالذبابة التي وصلت لحلق من غير قصد.

والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. للمالكية انظر : الشرح الصغير ، 1/699 . وللحنفية انظر : حـاشية ابن عابدين : 2/98.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

السواك والمعجون للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

هل يجوز للصائم أن يستاك في نهار رمضان ؟ وماذا عليه لو استعمل مسواكاً رطباً ؟ وهل يصح صومه إذا استاك بالمعجون المعطر؟

جواب فضيلة الشيخ

[1] ذكر البخاري في صحيحه عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : (رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي ولا أعد )(1) .

وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم :

قال زياد بن جرير : “ما رأيت أحداً أدوم سواكاً وهو صائم من عمر بن الخطاب” .

وقال نافع : “لم يكن ابن عمر يرى بأساً بالسواك للصائم” .

وسئل ابن عباس عن السواك للصائم فقال : “نعم الطهور ، استك على كل حال” .

وسئلت عائشة عن السواك للصائم ، فقالت : “هذا سواكي في يدي، وأنا صائمة”(2) .

[2] ولهذا اتفق أهل العلم على جواز الاستياك في أول النهار بالسواك اليابس .

[3] أجاز المالكية والحنفية السواك كل النهار ، وكره أحمد والشافعي السواك في آخر النهار لحديث : ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )(3) . ولكن السواك لا يذهب الخلوف لأنه من خلو المعدة وفراغها من الطعام والشراب ، ومهما استاك الصائم لا يذهب خلوف فمه ، فيبقى أطيب عند الله من ريح المسك .

كرَّه المالكية وأحمد في رواية عنه السواك بالرطب خوف تحلله. وأجازه أبو حنيفة .

والصحيح : جواز الاستياك بالرطب واليابس ، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ، والدليل معهم إذ لم يخص اليابس من الرطب .

والسواك بالمعجون والفرشاة في نهار رمضان لا بأس به ما لم يتجاوز الحلق شيء منه ، وطعم المعجون كطعم المسواك الرطب في الاعتبار ، فلا يؤثر في صحة الصوم الاستياك به .

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم، 4/187 بفتح الباري.
  2. كل ذلك في المصنف لابن أبي شيبة 3/35-37 .
  3. البخاري في كتاب الصوم برقم (1894) ، ومالك في الموطأ باب جامع الصيام برقم (58) ، ومسلم في كتاب الصيام برقم (2700).
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيمة في زكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

بعض الناس يخرجون القمح في زكاة الفطر ، وبعضهم يدفعون مبلغاً من المال في فطرتهم ، فأيهما هو الصحيح ؟ وهل يجزئ المسلم إذا أخرج المال ( القيمة ) بدل القوت ؟ أم لا بدّ أن يخرج العين في كل مكان ؟ أفيدونا نفع الله بكم .

جواب فضيلة الشيخ

إخراج القيمة في زكاة الفطر يكثر السؤال عنه في كل عام ، وقد أصبح هو الغالب في إخراج زكاة الفطر ، خاصة في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين، والمشهور في هذه المسألة أن العلماء فيها على مذهبين :

[1] المذهب الأول: لزوم إخراج العين من الطعام والأقوات، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لأنه لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر وفي سائر الزكوات .

وأصلهم في هذا أحاديث إخراج زكاة الفطر من الطعام ومن ذلك:

[أ] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ” (1).

[ب] حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ” كنا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أَقِطٍ(2)، أو صاعاً من زبيب “(3).

[ج] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحر والمملوك ، صاعاً من طعام، من أدَّى بُراً قُبل منه ، ومن أدّى شعيراً قُبل منه ، ومن أدّى زبيباً قُبل منه .. الحديث (4). وغير ذلك من الأحاديث التي سمّى فيها رسول الله ﷺ نوع الفطرة في الأطعمة والأقوات .

[2] المذهب الثاني : جواز إخراج القيمة بدل العين ، وأصحاب هذا المذهب فريقان :

الفريق الأول : من يرى جواز إخراج القيمة بدل العين مطلقاً وهو مذهب الحنفية والثوري ، وقال به الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول جماعة من المالكية (5)كابن حبيب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب. وقال الحنفية : ” دفع القيمة أفضل من دفع العين “(6).

والفريق الثاني : من يرى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر لعذر أو لضرورة ، وهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وهو مذهب الزيدية(7).

وحجة الحنفية في تفضيل القيمة كون القيمة أعون على دفع حاجة الفقير لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة من ثياب ونحوها .

الترجيح :

مما يبدو واضحاً جداً أنّ مقصود الشارع في تشريع زكاة الفطر أمران مهمان : أحدهما: طهرة للصائم من اللغو والرفث ، والثاني : سدّ خلة المساكين وإغناؤهم عن الحاجة ومواساتهم في يوم العيد بمثل ما يكون عليه أهل بلدهم(8). لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين”(9). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم”(10).

أما المقصود الأول فيتحقق بكل إخراج لزكاة الفطر سواء أكان الذي أخرجه الصائم قوتاً وطعاماً ، أم كان قيمة.

أمّا المقصود الثاني وهو سدّ خلة الفقير ومواساة المسكين بزكاة الفطر فيتحقق بالطعام ويتحقق بغيره ، وقد يكون غير الطعام أوفق للمقصود من الطعام .

ولهذا ينبغي أن يكون الترجيح لما يكون أنفع للفقير وأكثر سداً لخلته، وأفضل في مواساته وإغنائه عن السؤال في يوم العيد. فقد يكون في بعض البلاد والقرى القوت والطعام أنفع للفقير وأسدّ لخلته، وقد يكون المال في بعضها أنفع للفقير وأسدّ لخلته.

وعليه : فالذي يترجح على ضوء هذه القاعدة : أن إخراج القيمة في زماننا هو الأرجح والأفضل ـ خاصة في المدن والأمصار ـ . وذلك لوجوه:

الوجه الأول : أن الطعام في عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كان مختلفاً عن الطعام في زماننا ، حيث كان الطعام بنفسه مالاً ونقوداً، يستطيع من أُعطي الشعير أو الزبيب أو التمر أن ينقده في شراء أي سلعة يحتاج إليها .

ولهذا ـ في الحقيقة ـ لم يكن هناك فرقٌ بين ما هو عين وبين ما هو قيمة ، لأنها كلها كانت قيماً وأثماناً للأشياء ، فتسدّ خلة الفقير إذا دفع له طعام أو قوت ، لأنه يستطيع به شراء كل ما يحتاج إليه.

أما في زماننا فقد اختلف الطعام عن القيمة ، فمن أُعطي قمحاً أو تمراً أو زبيباً أو شعيراً ، وهو محتاج لغيرها، اضطر لبيعها في السوق ليأخذ قيمتها ليشتري بها ما يحتاج إليه ، فكان الأولى أن يعطى القيمة ابتداءً ليشتري بها ما احتاجه .

الوجه الثاني : أنّ من القواعد الأصولية المقررة : رعاية المقاصد أولى من رعاية الوسائل، ولذلك فالوسائل تأخذ حكم المقاصد وتسقط الوسائل بسقوط المقاصد ، فلو تقرر هذا : فإن لزكاة الفطر مقصوداً وللمقصود وسائل، فمقصود الشارع من زكاة الفطر نفع الفقراء ، بإخراج نوع مال وإعطائه لهم ، فلا يمكن أن يتشبث بالوسيلة وهي إخراج نوع مال ، ولو كان غيرها أكثر تحقيقاً للمقصود ، فإن الأعيان المنصوصة وسيلة ، والقيمة أكثر تحقيقاً لمقصود زكاة الفطر في هذا الزمان ، فكان إخراج القيمة أولى(11). ويعضّد هذا تطبيق معاذ رضي الله عنه لأمر النبي ﷺ في الصدقة حين بعثه إلى اليمن يقول طاوس : ” بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير ، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير”(12) وهذا ـ كما ترى ـ تحقيق لمقصود الأمر بالتوسع في وسيلته، وممن؟ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام .

الوجه الثالث:أنّ القيمة والبدل معتبران في الزكاة ، والزكوات بأنواعها جنس ، فما صحّ في هذه يصحّ في الأخرى إلاّ إذا بنصّ نافٍ للاعتبار في بعضها.

فإنّ النبي ﷺ أقرّ معاذاً بن جبل رضي الله عنه على أخذ القيمة والبدل من أهل اليمن في الزكاة ، فقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة”(13).

وها هو معاذ رضي الله عنه يعلّل أخذه للبدل والقيمة بعلتين : أنه أهون على الدافعين ، وأنه أنفع للآخذين . فدلّ أن العبرة ما ينفع الفقراء. وقد أقره النبي ﷺ ولو كان خلاف الشرع الواجب لما أقره.

وعن عطاء أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها(14).

الوجه الرابع :إنّ إخراج القيمة في زكاة الفطر كان من عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد روي عنهم أنهم كانوا يخرجون القيمة في خصوص صدقة الفطر فقد قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله : ” أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام “(15). وأبو إسحاق السبيعي من العلماء العاملين ومن جلة التابعين وقد أدرك علياً وجماعة من الصحابة، فقوله: ” أدركتهم ” أي الصحابة رضوان الله عليهم . فعُلم أنّ إخراج القيمة من عمل الصحابة رضوان الله عليهم .

الوجه الخامس:أنّ أئمة المسلمين من سلف الأمة الصالحين المجتهدين والمجددين قد اعتبروا القيمة في زكاة الفطر ، ومن ذلك :

[1] أنّ معاوية أمير المؤمنين رضي الله عنه لما قدم المدينة حاجاً أو معتمراً في عهد خلافته اعتمد القيمة فجعل مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمرهم، فأخذ الناس بذلك إلاّ أبو سعيد الخدري ، كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أَقِطٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: “إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر” فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت”(16).

فمعاوية عمل بالقيمة حيث قيّم سمراء الشام بتمر المدينة على أساس مدين بصاع.

[2] أنّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مجدد القرن الثاني وخامس الخلفاء الراشدين قد أصدر مرسومه الراشد بإخراج القيمة فكتب إلى واليه ” عدي ” بالبصرة : ” يؤخذ ـ يعني زكاة الفطر ـ من أهل الديوان من أعطياتهم ، عن كل إنسان درهم “.

وكتب إلى قُرّة عامله في صدقة الفطر قال قرة : ” جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر : نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم”(17).

فلن يكون مخطئاً من وافق هؤلاء الصحابة وأولئك التابعين الأجلاء من صالحي سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم وعمل بما كانوا يعملون .

هذا وقد ساق العلامة الغُماري في رسالته الفريدة: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال) اثنين وثلاثين وجهاً فقهياً وأصولياً ومقصدياً وحديثياً لصحة إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، ننصح طلاب العلم بالاطّلاع عليها .

وعليه: فيجزئ إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، وهو الذي رجحته كثير من اللجان والمجالس والمجامع الفقهية والبحثية. وقد دأب مَجْمَع الفقه الإسلامي عندنا في كل عام على تحديد قيمة زكاة الفطر، جزاهم الله خيراً، وهو الموفق للخير والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري برقم 1503 ج4 ص 138 بفتح الباري ، ومسلم في كتاب الزكاة برقم 2275، 2276 ، ج7 ص 60 – 62 .
  2. الأَقِط : لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به .
  3. أخرجه البخاري باب صدقة الفطر صاع من طعام ، برقم 1435 ومسلم باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير برقم 984 .
  4. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 7503 باب من قال يخرج من الحنطة ، جج4 ص 168، وعبد الرزاق في المصنف برقم 5767 ج3 ص 313 ورمز إليه البيهقي بالصحة لغيره .
  5. نقل عنهم الغماري في رسالته القيمة : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ،ص 46.
  6. الدر المختار بحاشية ابن عابدين ، ج2 ص 77 ، 78.
  7. انظر : تحقيق الآمال ص 45 ، والسيل الجرار للشوكاني ، ج2 ص 86 .
  8. ينظر : أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ، ج3 ص 12 ـ 13 .
  9. سبق تخريجه .
  10. أخرجه الدارقطني ، برقم 67 ، ج2 ص 152 .
  11. انظر : تحقيق الآمال ، للغماري ، ص 102 .
  12. مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404، برقم 10437 باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة.
  13. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
  14. هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404 برقم 10438 ـ 10441.
  15. ابن أبي شيبة ، باب في إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10371 .
  16. أخرجه مسلم برقم 985 ج2 ص 678 .
  17. كلا الخبرين في مصنف ابن أبي شيبة ، باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10369، 10368 ، ج2 ص 405 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

التنقّل للمساجد الأخرى بحسب أئمة التراويح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

بعض المصلين لا يصلي في مسجد حيّه القريب له، بل يهاجر في كل ليلة من ليالي رمضان إلى بعض المساجد بحجة أن الإمام هناك صوته نديٌّ ويشعر بالخشوع وراءه أكثر من غيره، وبعضهم بحجة أنه يبحث عن صاحب الصوت الحسن يتنقل في كل ليلة من مسجد إلى مسجد، فما حكم الهجرة إلى المساجد البعيدة والتنقل بين المساجد في صلاة التراويح لهذا الغرض؟.

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله، لا مانع من مثل هذا التنقل(1) ما دام يرجو الخير والنفع لنفسه، وقد يتحقق لطالب الصوت الحسن جملة منافع شرعية، منها:

1ـ أنه يطمئن قلبه إلى صلاته..

2ـ أن يحقق التدبر للقرآن المتلو بالصوت النديّ الخاشع..

3ـ أن فيه سعياً للأفضل والأحب من طول القيام وغيره..

4ـ وفيه طلب الخشوع والتوسل لحضور القلب..

فكل هذه الأمور من مطلوبات الصلاة وصلاة القيام.

والحرج في التنقل إلى المساجد الأخرى مرفوع بشرطين:

أولهما: أن لا يؤدي هذا التنقل لتعطيل المساجد القريبة.

ثانيهما: أن لا يتخذ المرء التنقل ترائياً، وقد لوحظ أن كثيراً من هؤلاء المتنقلة إلى مساجد القراء المشاهير يتحدثون عن ذلك بشيء من التفاخر والترائي، والرياء داء يفسد القلوب والطاعات. والله تعالى أعلم…

الحواشي

  1. وانظر: الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح، للشيخ عبد العزيز بن باز، ص 9-10.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

الجهل بطلوع الفجر

شخصٌ أكل السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه ، هل صومه صحيح؟ كذلك من جامع امرأته بعد الفجر جاهلاً بطلوعه هل يصحّ صومه؟

اقرأ الجواب