الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

حكم بعض العلاجات والتداوي في نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

ثار جدلٌ كبير بيننا في جلسة تذاكر لأحكام الصيام عن بعض العلاجات أو الفحوصات التي يحتاجها المريض أيام رمضان، ولم نصل إلى اتفاق فيها هل تفطر أم لا؟ فأرجو بيان ما لا يفطر من هذه العلاجات والتداوي، جزاكم الله عن الصائمين خير الجزاء:

جواب فضيلة الشيخ

أفضل جوابٍ لما وقع بينكم من جدال في أمور التداوي والعلاجات التي لا تكون مفطرة للصائم ويبقى صومه صحيحاً معها؛ هو قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 93(1/10) بشأن المفطرات في مجال التداوي، وذلك في دورة مؤتمره العاشر بجدة في صفر 1418هـ يونيو ـ يوليو 1997م، بمشاركة الفقهاء والأطباء، فقرر ما يلي:

“أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:

1- قطرة العين، أو قطرة الأذنـ أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

2- الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق

3- ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.

4- إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.

5- ما يدخل الإحليل أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قثطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.

6- حفر السنّ، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

7- المضمضمة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

8- الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.

9- غاز الأكسجين.

10- غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.

11- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.

12- إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.

13- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها

14- أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء مالم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.

15- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.

16- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.

17- القي غير المتعمّد بخلاف المتعمّد (الاستقاءة).

ثانياً: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضرّ نأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق” اهـ المراد نقله(1). والحمد لله رب العالمين..

الحواشي

  1. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، ص 311-314.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القطرة للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مصاب بالتهابات في عينه أو عينيه ، ألزمه الطبيب باستعمال قطرة، فإذا استعملها وجد طعمها وأثرها في حلقه . فما حكمه ؟

جواب فضيلة الشيخ

القُطر الطبية منها ما يستعمل للعين ، ومنها ما يستعمل للأنف، ومنها ما يستعمل للأذن ، وكلها يمكن أن يجد المستعمل لها طعماً وأثرها في الحلق.

[1] فالقطر التي لا يجد لها المريض طعماً ولا أثراً في حلقه صيامه صحيح ولا يفطر .

[2] والقطر التي استعملت من الليل فوجد أثرها في النهار كذلك لا تفطر ولا شيء عليه .

[3] أما القطر التي تستخدم في النهار ويجد المريض طعمها في الحلق:

فإنها عند المالكية : تفطر .

أما عند الحنفية : فلا تفطر في الأصحّ “لأن الموجود في حلقه أثر داخل من المسام الذي هو خلل في البدن ، والمفطر إنما هو الداخل من المنافذ ، للاتفاق على أن من اغتسل في ماء فوجد برده في بطنه أنه لا يفطر”(1) .

وهو الصحيح : لأنه استخدم القطرة للعين أو للأنف أو للأذن من غير قصد للإفطار ولا لإيصالها إلى الحلق فوصل أثرها الحلق من غير قصد كوصول ذبابة إلى الحلق من غير القصد ، فانتفى الفرق ، فأعطي حكمه فلا إفطار بالقطرة كما لا إفطار بالذبابة التي وصلت لحلق من غير قصد.

والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. للمالكية انظر : الشرح الصغير ، 1/699 . وللحنفية انظر : حـاشية ابن عابدين : 2/98.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصرعة وبعض الأمراض

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

رجلٌ مصاب بالصرعة ، وهو يتقي هذا المرض بعقاقير طبية تمثل حبة صغيرة بأخذها في اليوم مرة واحدة ، يضعها تحت لسانه حتى تتحلل ، فإذا تشاغل عنها أو تركها عاودته الصرعة . فهل استخدام هذه الحبة يفسد صومه ويفطره ؟ مع العلم أنه يقدر على بلعها بريقه دون حاجة إلى ماء ؟.

جواب فضيلة الشيخ

سألتُ بعض شيوخنا الأعلام ممن وقع هذا الإشكال في زمانهم فأجاب مستعيناً بالله : النظر في هذه المسألة من جهتين :

الجهة الأولى : أن الحبة الصغيرة التي يأخذها المريض النفسي أو مريض الصرعة ليست طعاماً من الأطعمة ، وليست مغذياً من المغذيات، وإنما هي دواء لا يزيل جوعاً ولا عطشاً ، فهي ليست من المفطرات، خاصة إن لم يستعن بالماء لإنزالها(1) .

الجهة الثانية : أن المريض إذا لم يأخذها لن يتمكن من الصيام أبداً، إذا كانت حالته مستمرة ، فأيهما أولى : أن يفطر أبداً ، أم أن يأخذ الحبة ويتمكن من الصيام ؟.

فالترجيح: أن يصوم أولى ، لأن الصيام عبادة والفطر عادة، والعبادات معتبرة أكثر من العادات ، وأخذ الحبة من وسائل تحقيق العبادة ، والوسائل يغتفر فيها خاصة إن لم تكن من المفطرات حقيقة .

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. قلت : وقد جوَّز كثير من العلماء التداوي بالاكتحال ولو وجد أثر الكحل في حلقه ، ومداوة المأمومة والجائفة ، ويقتضي تجاوز جزء من الدواء إلى الجوف . راجع : معونة أولي النهى لابن النجار الفتوحي 3/392-393 ، مجموع الفتاوى : 25/233، المجموع للنووي 6/354 مطبعة الإمام .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

(البخاخ) لمريض الربو

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض الأزمة "حساسية الربو" تراوده الحساسية في كل يوم، فيأخذ لها البخاخ فيهدأ الربو، وهذه عادته في رمضان وغير رمضان. فهل البخاخ للأزمة يبطل الصيام ويفسده ؟ وأيهما أولى لمريض الأزمة "حساسية الربو" : أن يستخدم البخاخ ويتمكن من صيام رمضان أم أن يفطر ، وبهذا لن يتمكن من قضاء ما أفطر ؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة من نوازل العصر، وقد ذهب فيه علماء الشرع إلى قولين:

القول الأول: أنه لا يضرّ الصائم المريض بحساسية الربو “الأزمة الصدرية” استعمال البخاخ أثناء الصيام، ولا يفسد ذلك صومه، ويستمر في صومه ولا شيء عليه.

وهو الذي ذهب إليه مجلس الإفتاء الشرعي في السودان، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وبه قال الشيخ القرضاوي، وهو قول ابن باز وابن عثيمين وغيرهم(1)..

وأصدر مجلس الإفتاء الشرعي في السودان في جلسته بتاريخ 11/3/1995م فتوى في أمر استعمال البخاخ للصائم المريض بالأزمة ونصها: ” لا مانع شرعاً من استعمال البخاخة للصائم لأنها لا تعد طعاماً ولا شراباً “.

والقول الثاني: أنه مفطر، وعلى من احتاج إلى استعماله القضاء: وهذا ما ذهب إليه الشيخ الغرياني مفتي ليبيا في كتابه( مدونة الفقه المالكي)، وغيره(2). وحجتهم في فساد الصوم باستعمال البخاخ:

1ـ أن هواء البخاخ لا يختلف عن بخار القدر في إفساد الصوم، لأن بخار القدر منعشٌ ومغذٍّ، وهذه الصفة متحققة في بخاخ الربو.

2ـ أن مادة دواء البخاخ مركبة من أجزاء خاصة غير أجزاء الهواء المعتاد، وهو دواء منه ما هو سائل ومنه ما هو غاز، وتناول ما هو سائل يفطر، ولا يختلف الدواء في حقيقته ، فكان مفطراً.

3ـ أنّ شيئاً من مكونات هذا الدواء يصل إلى المعدة بمنفذ معتاد، فكان مفطراً.

إلا أنّ الشيخ الغرياني مع رأيه هذا؛ ذهب إلى أنه لا قضاء على من يستعمله بصفة دائمة. تخريجاً على قول بعض المالكية في العطشان إذا بلغ العطش به مبلغاً شديداً؛ أنّ له أنْ يشرب ولا قضاء عليه (3).

فاتفق مع القول الأول القاضي بعدم تأثير استعمال البخاخ أثناء الصيام على الصائم.

وعليه: فإن الراجح هو القول بجواز استعمال البخاخ لمرضى حساسية الربو أثناء صيامهم في نهار رمضان، ولا قضاء عليهم، بل يبقى صيامهم دون فساد.

والدليل على صحة صومهم وعدم الإفطار بالبخاخ أمورٌ:

الأول: أن الأصل صحة الصيام وبقاؤه حتى يرد دليل على فساده، ولا دليل على فساد من استعمل البخاخ عند حاجته أو اضطراره.

الأمر الثاني: أنّ حجة من رأى فساد الصوم باستعمال البخاخ هو وصول شيء من رذاذ البخاخ إلى المعدة. وهذا مشكوك فيه، غير متفق عليه بين الأطباء أهل الشأن والمعرفة بذلك، فلا يزيل يقين الصوم.

الأمر الثالث: حتى لو وصل شيء منه إلى جوف المعدة، فإنه يسير معفو عنه لا يضر صوم الصائم لأمرين:

أولهما: أنه أقل من الذي يصل إلى الجوف من بقية المضمضة باتفاق أهل المعرفة، فالبخاخ مقدار المحلول فيه (10 ملليرات) تكفي لـ مائتي بخة. وعليه فالبخة الواحدة مقدارها جزء من عشرين (1/20 من الملليتر الواحد)عامته تذهب إلى الرئة والشعب الهوائية والقصبة الهوائية، ثم جزء من هذا قد يصل إلى المعدة. ومثل هذا لا يفطر.

ثانيهما: أنه أقل من بقايا السواك الذي يصل إلى المعدة، والرسول ﷺ كان يستاك وهو صائم ما لا يحصى من المرَّات، كما حدّث عامر بن ربيعة رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري عنه قال: ” رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي، أو أعد” (4).

فإذا لم يحصل الفطر بسبب السواك والمضمضة ؛ فمن باب أولى لا يحصل برذاذ البخاخ.

الأمر الرابع: أنه لا يشبه الأكل والشرب، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الأكل والشرب، ولا يذهب جوعاً ولا عطشاً. فلا يكون مفسداً للصوم

وعلى هذا: فصحيحٌ أن يصوم مريض الأزمة (حساسية الربو) ويواصل في صومه، وإن احتاج إلى استخدام البخاخ ..

ولكن مع ذلك: يحسن له أن يصبر إلى الغروب مراعاة للخلاف وخروجاً منه، إنْ لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو ازدياد الربو، أو المعاناة والمشقة. والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. راجع: فتاوى اللجنة الدائمة للإتاء والبحوث السعودية، فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين، ص 475، مجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 249، فقه الصيام للقرضاوي، ص 63ـ64.
  2. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته، ج1 ص 645، فتاوى مركز الفتوى التابع لشبكة إسلام أون لا ين بإشراف عبد الله بافقيه.
  3. راجع مدونة الفقه المالكي للغرياني، ص 646.
  4. صحيح البخاري ج3 ص 40، باب سواك الرطب واليابس للصائم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الحقنة مع الصيام

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض دخل عليه رمضان وهو مستمر في العلاج ولم يكمل أخذ (الحقن) المقررة له من الطبيب ، ويجد في نفسه قوة للصيام ، فهل أخذ (الحقنة) في نهار رمضان يفسد صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

(الحقنة) المعروفة لدى أسلافنا الكرام رحمهم الله تعالى ورضي عنهم هي (الحقنة) الشرجية خاصة . قال القاضي عياض رحمه الله : “(الحقنة) هي ما يستعمله الإنسان لدوائه من أسفله”(1) . والآن توسع استعمال (الحقنة) للمداواة فاستخدمت في العضل وفي الوريد ، و(الحقنة) منها ما يؤخذ للتداوي، ومنها ما يؤخذ للتقوية ، ومنها ما يؤخذ للتغذية .

و(الحقن) المداوية والمقوية جميعها لا تفطر :

أولاً : لأن العلماء اشترطوا في المفطرات ثلاثة شروط يجب تحققها جميعاً هي:

الأول: أن يكون مما يمكن الاحتراز منه ، فإن لم يكن كالذباب وغبار الطريق ونحوهما فلا .

الثاني : أن يكون مما يغذي ، فإن كان مما لا يغذي فلا .

الثالث : أن يصل إلي الجوف من المنافذ المعتادة(2) .

و(الحقن) في هذا الزمان لا تصل إلى الجوف ، وإن وصلته لا تصل إليه من المنافذ المعتادة ، فهي غالباً إما أن تعطى في الجلد ، أو في العروق، أو في الأوردة . أما (الحقنة) الشرجية فقد جعلها كثير من الفقهاء مفطرة، كالحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية .

واختار ابن تيمية صحة الصوم مع (الحقنة) مطلقاً(3) .

ثانياً: تخريجاً على اشتراط الشافعية، فقد اشترطوا في الواصل إلى المعدة “كونه من منفذ مفتوح، فلا يضر وصول الدهن بتسرب المسام”(4).

و(الحقن) الوريدية والعِرقية والعضلية أشبه ما يكون تسرباً بالمسام، فلا تضر بالصيام .

ثالثاً : أجمع علماء العصر على أن (الحقن) المداوية والمقويّة لا تفطر(5). ونصّ على ذلك كل من: شيخ الأزهر: محمود شلتوت، والشيخ محمد سلامة جبر ، والشيخ علي الطنطاوي(6) .

ويظهر عدم الخلاف في ذلك من كلام النووي في المجموع حيث قال: “لو أوصل الدواء إلي داخل لحم الساق أو غرز فيه سكيناً أو غيرها فوصلت مخّه لم يفطر بلا خلاف ، لأنه لا يعد عضواً مجوفاً” أهـ (7).

[2] (الحقن) المغذية ، أي التي تكون بديلاً عن المغذيات بالفم(8 لم يتفق علماء العصر في جوازها، فكانوا على قولين :

القول الأول : أنها مفطرة ، لأنها مغذية كالأكل والشرب، وللحطاب من المالكية قول يفهم منه أنها تفطر حسب القاعدة التي وضعها فقد قال: “واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر أو لا يقع به؟ وأن لا يقع به أحسن ، لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة ، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال”أ.هـ(9) . وقد ذهب إلى ترجيح كونها مفطرة الشيخ محمد الشيباني في تبيين المسالك(10) .

والقول الثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور المعاصرين ممن تكلم في المسألة أنها كالحقن الأخرى ، غير مفطرة ، فيبقى الصوم صحيحاً وإن أخذ [الدِّرب أو الجلكوز ] . ووجه ذلك :

[1] أنها لا تدخل إلى الجوف من منفذ معتاد على قاعدة الفقهاء.

[2] وأنها لا تُذهب الجوع والعطش، ولا يحس من تناولها بالشبع والري، لأنه لا يدخل المعدة، وإن أحس بنشاط وانتعاش بعدها، وهذا الانتعاش أو النشاط لا يكفيان للإفطار بهما، وإلا لحكمنا على من اغتسل بماء بارد بالإفطار وفساد الصوم ، ومن تلفف بثوب مبلول فانتعش؛ ببطلان صومه، وهذا لا يكون(11)،وهذا هو الراجح المختار إن شاء الله تعالى.

الحواشي

  1. التاج والإكليل ، 2/424 .
  2. انظر : القوانين الفقهية لابن جزئ الكلبي ، ص 80 ، وينظر : المغني 3/39 .
  3. الفتاوى 25/234 .
  4. انظر : مغني المحتاج ، 1/428 .
  5. نقل الإجماع القرضاوي في كتابه : فقه الصيام ص 100 .
  6. يراجع : فتاوى شلتوت ص 136 ، فتاوى محمد سلامة جبر ص 77 ، فتاوى علي الطنطاوي، ص 230-231 .
  7. المجموع شرح المهذب ، 6/322 . لأن ما ذكره وحقيقة (الحقن) أمرٌ واحد ، وهو إيصال الدواء إلى داخل اللحم .
  8. (4) وهو ما يعرف اليوم بـ [ الدِّرِبّ ] أو [ الجلكوز ].
  9. مواهب الجليل للحطاب ، 2/424 .
  10. راجع : تبيين المسالك لتدريب السالك ، 2/158 .
  11. انظر : فقه الصيام للقرضاوي ، ص 101 ، فتاوى شلتوت ، ص 136 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيء للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

هل القيء يفسد الصوم ويوجب القضاء ؟

جواب فضيلة الشيخ

الأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء )(1) . وفي رواية الترمذي: (ومن استقاء عمداً فليقض )(2) .

[1] أخذ عامة أهل العلم بهذا الحديث فقالوا : من ذرعه القيء وغلبه وخرج دون إرادته ؛ فلا شيء عليه وصومه صحيح(3) .

[2] من ذرعه القيء ولكن رجع منه شيء إلى حلقه بعد وصوله إلى فمه، عليه القضاء عند المالكية(4) .

[3] من استقاء عمداً فسد صومه باتفاقهم، وقد نقل الإجماع ابن المنذر فقال:”وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً”(5). ويلزمه القضاء عند عامة الفقهاء لصريح قوله ﷺ: ( ومن استقاء فعليه القضاء). وقد اختلف قول المالكية في حكم القضاء هل على الوجوب أم على الاستحباب؟.

فذهب الأبهري منهم إلى أنه على الاستحباب.

وذهب جمهور أهل المذهب إلى أنه على الوجوب، وهو قول الحنفية والشافعية وغيرهم. وهو الصحيح الذي جاء نصّ الحديث به: ( ومن استقاء فعليه القضاء).

وفرّق بعض المالكية بين المستقيء والمستقيء عامداً، فألزموا المستقيء عامداً بالكفارة مع القضاء وهو قول ابن الماجشون والأبهري والقاضي عبد الوهاب، ولعلهم أعملوا الروايتين: رواية أحمد وأبي داود بلفظ: ( … ومن استقاء فعليه القضاء) ورواية الترمذي: (.. ومن استقاء عمداً فعليه القضاء) غير أنّ ابن العربي أبطل هذا القول، رحمهم الله تعالى جميعاً(6).

[4] إذا قاء وهو صائم صوم تطوع فإن القيء يفطره إذا ضعف بسببه عن مواصلة الصوم ، ولا قضاء عليه ، لحديث أبي الدرداء : ( أن النبي ﷺ قاء فأفطر)(7) حيث حمله الجمهور على صيام التطوع .

الحواشي

  1. أخرجه أحمد في المسند 2/498 وأبو داود في كتاب الصوم برقم (2380) . ومعنى ذرعه : غلبه وسبقه دون إرادة منه وقصد.
  2. سنن الترمذي : كتاب الصوم برقم (720) وحسنه .
  3. وخالف ربيعة والحسن وقالا: إنه مفطر. انظر بداية المجتهد 2/156، والإجماع لابن المنذر، ص 15، المسألة (125) .
  4. الشرح الصغير 1/698 ، كفاية الطالب 2/269 .
  5. الإجماع لابن المنذر ، ص 15 ، المسألة رقم (126) .
  6. راجع بتوسع: المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 225.
  7. أبو داود برقم 2381 . وخالف طاووس فقال لا يفطر بداية المجتهد 2/157.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الاحتجام للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

صائم احتاج إلى الحجامة والفصد ، فهل يفسد ذلك صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

الحجامة هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي لتخفيف بعض الآلام والأوجاع والأمراض(1) . وهي والفصد بمعنى واحد.

وفي حجامة الصائم ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمذاهب الفقهية المتبوعة إلى أنها لا تفسد الصوم ولا تفطر الصائم ، ومن احتجم وهو صائم صحّ صومه وبقي ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة . وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم)(2).

ولهـذا :

كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يحتجم وهو صائم .

وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر، قال عروة: “وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم”(3) .

وقال بكير عن أم علقمة : “كنا نحتجم عند عائشة فلا نُنهى”(4) .

وكان أنس يحتجم وهو صائم(5) .

وكره مالك وأبو حنيفة الحجامة إذا كانت تضعفه عن الصوم ، وهو ما روي عن أنس بن مالك .

وذهب الحنابلة وجماعة من أهل الحديث إلى أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم لحديث النبي ﷺ: ( أفطر الحاجم والمحجوم)(6). فمن احتجم صائماً فعليه القضاء .

وشذ عطاء عن جماعة العلماء فأوجب الكفارة في الاحتجام(7) .

والصحيح : مذهب الجمهور أنه لا يكره الاحتجام إلا إذا كان يضعف عن الصوم ، وأنه لا قضاء عليه ، لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيح أنه احتجم وهو صائم .

أما حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) فلم يأخذ الجمهور بظاهره لأسباب:

منها : أن الأصل في الصائم أنه لا يكون مفطراً إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها ، وهذا الحديث له معارض، وهو ما صحّ عند البخاري وغيره ؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم .

ومنها : أن حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) نسخه حديث ابن عباس ( احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم ) ، لأن الحديث الأول وقع عام الفتح، وحديث ابن عباس وقع في حجة الوداع لأن في بعض رواياته الصحيحة ( احتجم صائماً محرماً ) وابن عباس شهد معه حجة الوداع(8).

ولأنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: ( رخّص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم)(9) .

ومنها : أن الظاهر مؤول بأن المراد بقوله : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أنهما أفطرا : أي فقدا ثواب الصوم ، وكسبا أثماً ، لأنهما كانا يغتابان في صومهما(10). والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. يراجع : الطب النبوي لابن القيم ص 162 وما بعدها .
  2. أخرجه البخاري في كتاب الصوم برقم 1939 ، وأبو داود في الصيام برقم 2372 .
  3. كلاهما في الموطأ ، 298 .
  4. صحيح البخاري كتاب الصوم باب الحجامة والقيء للصائم ، 4/205 مع فتح الباري .
  5. الدار قطني : 2/182 .
  6. أخرجه أحمد 5/280 ، والحاكم 1/427 وصححاه ووافق الذهبي الحاكم في تصحيحه.
  7. راجع المذاهب والأقوال في : حاشية بن عابدين 2/98 ، المغني 3/37-39 ، الاستذكار 10/117 وما بعدها ، المجموع 6/363-366 ، مجموعة فتاوى ابن تيمية 25/252 وما بعدها ، فتح الباري 4/205-211 ، تبيين المسالك 2/158 ، كفاية الطالب الرباني 2/268 .
  8. ذكره الشافعي في كتاب اختلاف الحديث ص 197 أنه منسوخ .
  9. البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح . انظر مجمع الزوائد 3/170 .
  10. المجموع شرح المهذب 6/376-368 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القُبلة للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

هل يفسد صوم الصائم إذ قبَّل امرأته ؟

جواب فضيلة الشيخ

السنة الواردة في قُبلة الصائم هي :

[1] عن عائشة قالت : ( إن كان رسول الله ﷺ ليُقبِّل بعض أزواجه وهو صائم ، ثم ضحكت )(1).

[2] وعن حفصة قالت : ( كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم)(2).

[3] وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ: أيُقبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ: [ سَلْ هذه ] لأم سلمة . فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك . فقال يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر. فقال له: [ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له](3).

ظَنَّ ابن أبي سلمة أن القُبلة مع الصيام من خصائصه عليه الصلاة والسلام فبيَّن له أنه ليس من خصائصه .

[4] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ” هششتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلتُ: يا رسول الله ! صنعتُ اليوم أمراً عظيماً، قبَّلتُ وأنا صائم ‍‍‍‍‍ فقال النبي ﷺ: ( أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟) قلت: لا بأس به. قال: (فَمَهْ)(4) .

ففي كل هذه السنن والروايات إباحة القُبلة للصائم من غير تقييد أو تخصيص، فدلّ أن القُبلة للصائم لا تحرم عليه ولا تفسد صومه .

ولكنا وجدنا النبي ﷺ يفرّق في فتواه بين الشاب قوي الشهوة وبين الشيخ. فقد أخرج أحمد أن شاباً سأله فقال: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال: (لا) وسأله شيخ: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال : [نعم] ، ثم قال ﷺ:[ إنَّ الشيخ يملك نفسه](5) .. وفي رواية لأبي داود : ” أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له ، وأتاه آخر فسأله فنهاه ، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب “(6).

ويفهم هذا المعنى من كلام عائشة : (كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه)(7).

ولهذا فرَّق العلماء بين الشاب والشيخ ، وبين من كانت شهوته مفرطة وبين من كانت شهوته عادية :

فمن كانت شهوته مفرطة : تحرم عليه القُبلة وهو صائم ، لأنها مظنة إفساد صومه ، وبهذا قال الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية.

ومن كانت شهوته عادية : تكره عند المالكية والحنابلة ، ولم يكرهها الأحناف وهو مذهب عمر وعلي وأبي هريرة وجماعة من الصحابة .

ومن كان ممن لا تحرك القُبلة شهوته : كالشيخ الكبير لم تكره ولم تحرم.

ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أنزل بالقُبلة فسد صومه ، وعليه القضاء عند أكثر العلماء ، وعند مالك القضاء والكفارة .

أما إذا قبَّل فأمذى ؛ فلا شيء عليه عند الجمهور ، واختلف قول المالكية فقال جمهورهم عليه القضاء ، وقال البغداديون منهم : القضاء استحباب لا وجوب (8).

الحواشي

  1. البخاري كتاب الصيام باب القبلة للصائم حديث رقم (1928) .
  2. مسلم في كتاب الصيام برقم (2581) .
  3. مسلم في الصيام برقم (2583) .
  4. أبو داود في كتاب الصوم حديث رقم (2385) .
  5. أخرجه أحمد في المسند 2/158 برقم 6757.
  6. أبو داود في الصيام برقم (2387)
  7. أخرجه أبو داود في الصوم برقم (2382) ، والترمذي في الصيام برقم (729) وقال : حديث حسن صحيح .
  8. راجع الأقوال والمذاهب في : الاستذكار 10/57-58 ، المغني 3/78 ، مجموع الفتاوى 25/265، شرح النووي لصحيح مسلم 8/216 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

السفر إلى بلد تأخَّر صيام أهله أو تقدّم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

شخصٌ صام أياماً في بلده، ثم سافر إلى بلدٍ تأخرت رؤية الهلال فيه وبدأ أهله صيام رمضان في اليوم الثاني من صيام بلده ، فاستكمل المسافر ثلاثين يوماً من حين صام ، وأهل البلد الذي سافر إليهم صاموا تسعة وعشرين يوماً. فماذا يصنع ؟

جواب فضيلة الشيخ

أولاً : طالما استكمل ثلاثين يوماً من حين صام يفطر لسببين :

السبب الأول: أنه صام ثلاثين يوماً ، وهو أقصى مدة الشهر القمري، ولا يتجاوز شهرٌ منه الثلاثين. فلو وافقهم وصام معهم يكون قد تجاوز الشهر وليس عليه أن يصوم أكثر من الثلاثين.

السبب الثاني :أن صيامه صحيح لصحة سببه ، وهو ثبوت الشهر ثبوتاً شرعياً في بلده ، فلا يلزمه إلا صيام الثلاثين .

وأصل المسألة حديث كريب ، وهو أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال ” فقدمتُ الشام فقضيتُ حاجتها ، واستهلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس : متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ليلة الجمعة ؟ فقلتُ : رآه الناس فصاموا وصام معاوية . فقال : لكن رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ : ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: (هكذا أمرنا رسول الله)(1)” .

والشاهد : قول ابن عباس ” فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه “

وفيه أن كريباً لم يلزم بموافقتهم والصيام معهم ، وأن ذلك موافق لما أمر به رسول الله ﷺ.

وفي هذه الحالة لا يُظهر أنه مفطر ، يمسك في نفسه ويخفي فطره موافقة للناس .

ثانياً : قد ينعكس الحال ، فيكون قد صام برؤية بلده ثم سافر إلى بلدٍ تقدمت رؤيتهم .

ففي هذه الحالة : إن أفطروا على تسعة وعشرين يوماً أفطر معهم وقضى اليوم الأول ، لأنه يكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً، والشهر أقله أن يكون تسعة وعشرين يوماً . أما إذا استكملوا ثلاثين من حين صاموا أفطر معهم ، ولا يقضي اليوم الأول(2) . والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. أخرجه الترمذي في كتاب الصيام ، حديث رقم (963) وقال : حديث حسنٌ صحيح.
  2. جاء في المجموع : إن تأخرت رؤيتهم وأكمل الثلاثين : أصحهما يلزمه الصوم معهم لأنه صار منهم والثاني يفطر لأنه التزم حكم الأول . وإن تقدمت رؤيتهم يفطر معهم ويقضي اليوم الأخير أو يصوم ولا يفطر . وجاء في مجموع الفتاوى : من صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول ، وإن تأخرت رؤيتهم يفطر وحده كالمنفرد برؤيته ، أو يصوم معهم ولو صام إحدي وثلاثين يوماً انظر : المجموع شرح المهذب للنووي 6/276 ، ومجموع فتاوى ابن تيمية 25/106-107
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

مَن عَلِمَ بالصوم نهاراً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

بعد يومٍ طويلٍ وشاقٍّ في عملي جئت مساءً فنمت، ونامت أهلي، فلما أصبحنا أكلنا وشربنا ، وبعد شروق الشمس وذهابي للعمل أخبرني زملائي أن الدولة أعلنت بالأمس ليلاً أنّ هذا اليوم هو أول أيام شهر رمضان، فوقعت في حيرة، هل أمسك بقية اليوم أم لا؟ وهل إذا أمسكت بقية اليوم أكون مطالباً بقضائه بعد رمضان؟.أفيدوني يرحمكم الله.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: هذه المسألة في عصرنا هذا قد تكون نادرة الوقوع، ولا يُتصوّر وقوعه إلاّ في الريف أو عند من لا يملك وسيلة اتصال من تلفاز أو هاتف أو نحو ذلك، اللهم إلا قليلاً كحالة المستفتي.

والواجب على المسلم في ليلة التاسع والعشرين من شعبان أنْ يتحرّى الشهر، وأنْ لا ينام حتى يطمئنّ على ثبوته أو عدم ثبوته.

وفي الغالب يحرص المسؤولون في إعلام المسلمين بثبوت الشهر أو عدم ثبوته قبل توجّه الناس لصلاة العشاء رعاية لصلاة التراويح، على أنّ الشهر لو ثبت يبدأ الناس في صلاة التراويح مع العشاء. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن ينام قبل التأكّد، أو على الأقل أن يكلّف أهله أو أحداً من جيرانه أو معارفه بتتبع الأخبار لإبلاغه وإخباره، فإنْ لم يفعل شيئاً من ذلك يكون مقصّراً إلا أن ينسى هو وأهله كون الليلة ليلة التاسع والعشرين من شعبان.

ثانياً: إذا أصبح فأكل وشرب أو لم يأكل ولم يشرب، ثم علم بالنهار دخول شهر رمضان، فالواجب عليه الإمساك بقية اليوم على رأي الجمهور من المذاهب الأربعة (1).

وذهب عطاء وبعض الشافعية إلى أنّ إمساك بقية اليوم ليس بواجب فلا يلزمهم، محتجين بأنّهم أفطروا بعذر، فلم يلزمهم إمساك بقية النهار، كالحائض إذا طهرت وكالمسافر إذا أقام(2).

وإنْ لم يأكل ولم يشرب ثم علم أنه من رمضان فأمسك بقية اليوم؛ فالمحكيّ عن أبي إسحاق من الشافعية أنه يكون صائماً من حين أمسك، وهو قول شاذٌّ حكم النووي رحمه الله عليه بالفساد(3).

والدليل على وجوب الإمساك بقية اليوم أكل أو لم يأكل:

1- حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ رسول الله عليه السلام أمر مناديه يوم عاشوراء: « أنَّ من كان اصطبح فليمسك، ومن لم يكن اصطبح فليتمّ صومه »(4).

2- وفي أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله شهد قوم على الهلال بعد ما أصبح الناس، فقال رحمه الله: >من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل، فليصم بقية يومه< (5).

ثالثاً: وإذا أمسك بقية صومه هذا ، فهل يجب عليه القضاء؟

فالعلماء على مذاهب:

المذهب الأول: أنه يجب عليه القضاء، وهو الذي قال به جمهور العلماء(6).

والمذهب الثاني: أنه صوم صحيح لا قضاء معه إنْ لم يكن أكل أو شرب ثم أمسك، وهو الذي حكاه أبو حامد الاسفراييني عن أبي إسحاق المروزي من الشافعية (7).

والمذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه، إذا أمسك وأتمّ يومه، أكل أو لم يأكل، وهو قول ابن تيمية، قال في الفتاوى: « الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة» . وجاء في الاختيارات: « و يصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء، وإن كان أكل » (8). وتبعه على ذلك ابن القيم والشوكاني رحمهم الله (9).

والمذهب الرابع: للإمامين الأوزاعي والليث بن سعد رحمهما الله، أنه إذا أصبح مفطراً إلا أنه لم يطعم، ثم جاءهم الخبر أنه من رمضان؛ فإنهم يتمّون صيامهم ولا قضاء عليهم.

قال الليث: « وإن لم يأتهم الخبر إلا بعد ذلك اليوم أو بعد ما أمسوا؛ كان عليهم قضاء ذلك اليوم » (10).

والراجح هو مذهب الجمهور، القاضي بوجوب الإمساك والقضاء، من وجهين:

الوجه الأول: أن البينة قامت برؤية هلال رمضان، والمكلف مأمور أن يصوم إذا رؤي الهلال، وهو وإنْ أمسك عن الطعام والشراب إلا أنه لم يأت فيه بصوم صحيح، فوجب عليه القضاء.

الوجه الثاني: أن من شرط صحة الصوم النية المعقودة من الليل ، لحديث النبي ﷺ: ( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)(11). وهذا لم يبيّت صيام هذا اليوم من الليل، فوجب عليه أن يقضيه.

والله أعلم.

الحواشي

  1. انظر: القوانين الفقهية ، ص 135، المناهل الزلالة في شرح الرسالة ، ج3 ص 1064،المختصر الفقهي لابن عرفة ،ج2 ص 62، الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 231 – 233، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة ، ج3 ص15، كشاف القناع، للبهوتي، ج2 ص 310.
  2. المهذب مع المجموع ، ج6 ص 272، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة، ج3 ص 15.
  3. راجع المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 274.
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2007، 1903، 1868، وأحمد 16559، وصححه شعيب الأرناؤوط، واللفظ لأحمد.
  5. المصنف لأبن أبي شيبة ، ج3 ص 69، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/123): وسنده صحيح على شرط الشيخين.
  6. الاستذكار ، ج10 ص 233، فقرة 14689.
  7. المجموع شرح المهذب، ج6 ص 273 – 274 .
  8. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج25 ص 109. ص 118، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ج4 ص 63 .
  9. نسبه إليهما الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، ج6 ص 123.
  10. الاستذكار ، ج10 ص 234 فقرة 14694، 14695 . وج10 ص 36 فقرة رقم 13837.
  11. سبق تخريجه في مسألة النية للصيام، ص 73 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ